يضع المجتمع مِقصلة على المرأة المعنفة، لتجد نفسها في مواجهة الجميع - Huna Libya
ما وراء الجدران article comment count is: 2

بيت العيلة، عندما يتحوّل إلى سجن

تغنّى الفنّان الليبيّ الراحل (محمود الشريف) أغنية يعرفها جُلّ الليبيين؛ أغنية إن لم تسمعها في سيارة الوالد أو التلفاز أو الإذاعة المسموعة، فقد تكون سمعتها في مقهى ما، أو ربّما في الإذاعة المدرسية، فهي تعد إحدى أشهر الأغاني الليبية في العقد الماضي:

 “يا بيت العيلة يا عالي

يا مظلّل بالحب

يا اللي فيك اجتمعوا عيالي

 بالروح وبالقلب”

تعرض الأغنية شيئا من خصائص العائلة السليمة، وتصف البيت “بسرّ سعادتنا”، فماذا إذا لم يكن البيت والعائلة بصورته السليمة والصحيحة؟

صورة تظهر يدين مكبّلتين بحزام سروال، وعليها آثار الضرب - العنف الأسري في ليبيا
صور الفنّانة : كريمة مخلوف

العنف الأسري في ليبيا : حصانة العادات الاجتماعيّة

تعاني بعض النساء في ليبيا من عدم الأمان والثقة بين عائلاتهن، ويفتقدن للسعادة إثر تعنيفهنّ؛ سواء كنّ عزباوات معنّفات من قبل آبائهنّ وإخوتهن أو حتى نساء العائلة كالأم مثلا، أو متزوّجات معنّفات من قبل أزواجهنّ.

ولأنّ ليبيا بلد تغيب فيه سطوة القانون تحت وطأة العادات الاجتماعية؛ تجد الكثير من النساء صعوبة في الشكوى لمراكز الشرطة أو الاستعانة بمحاميّين؛ حتى إن اشتكت الضحيّة فإنّه غالبا ما تُسحب، ويتنازل عنها قبل وصولها للنيابة أو المحكمة.

حيث تقول السيدة (ريما) أنّها تعرضت للتعنيف من قبل زوجها، الذي كان زواجها به عن قصة حبّ غير راضٍ عنها الأهل، وحين اشتكت لأهلها ردّوا عليها بجملة واحدة: “ما حد جبرك تاخديه، خديتيه بروحك تحمليه بروحك” قالت (ريما) “إنّ زوجها كان اختيارا خاطئا منها، لكن أهلها كانوا قدرا لا يد لها فيه، يبدو قاسيا جدا”.

أما بشأن اللجوء للقضاء فقالت “إنها يستحيل عليها ذلك” مع عدم وجود القدرة على الذهاب والتحرك بمفردها لمكتب محاماة أو مركز شرطة، ناهيك عن الأموال التي تلزم لكلّ هذا، وتقول (ريما) إنّ الصبر هو الباب الوحيد المفتوح أمامها، خصوصا مع وجود ثلاثة أطفال: “على الأقل توا لاقية ما نوكل صغاري”.

كما يرى البعض من الليبيين المعنِّفين لغيرهم – سواء أبناء أو إخوة أو زوجات – أنّ ما يقومون به ليس عنفا، بل يندرج تحت حق التربية والكفالة والقوامة؛ فيما يُعرّف الفيلسوف (روبرت أودي) أن العنف العائلي أو غيره من العنف هو أي فعل يهاجم أو يسيء إلى شخص ما، سواء ما كانت إساءة مادية أو معنوية.

كاريكاتير: رجل في الظل - العنف الأسري في ليبيا
كاريكاتير الرسّام صهيب تنتوش

العنف الأسري في ليبيا والقانون

أما بالنسبة للقانون، فلا قانون محدّد يجرّم العنف الأسري في ليبيا بشكل خاصّ، ولكن توجد عِدّة قوانين تجرّم العنف أو الاعتداء بشكل عام، وتحت بعضها بند يشير إلى عقوبة مخصّصة للمعتدي إذا كان ذا قرابة، إضافة إلى أنّ القانون الليبي لا يرى أن الشكوى تستحق النظر إلا إذا كان الضرر واضحا ومثبتا، حيث يرتبط قانون الجنايات بين جرائم العنف وحدوث الضرر.

رغم هذا فإنه توجد عدة قوانين خاصة بالأسرة تحت بند “الجرائم ضد الأسرة” حيث تنص المادة 398 من قانون العقوبات على التالي: “مع مراعاة أحكام المادة السابقة يُعاقب بالحبس كل من أساء معاملة أحد أفراد أسرته أو صغير دون الرابعة عشرة أو أي شخص خاضع لسلطته أو معهود إليه بتربيته أو تثقيفه أو رعايته أو لتدريبه على مهنة أو فن“.

وبانغلاق المجتمع الليبي، يغدو تقديم شكوى من النساء المعنّفات إلى مراكز الشرطة أمرا صعبا، حتى أن أغلب الشكاوى المقدمة من قبل النساء تُسحب ويتم التنازل عنها قبل أن تصل للنيابة العامة والمحكمة، يتم ذلك تحت ضغط اجتماعي كبير على المرأة، خوفاً من تشويه صورة الرجل المعنّف أمام الناس. حيث تقول القانونية والمحامية الخاصة في محاكم ليبيا الأستاذة (حليمة الشحّ) “إنّ نسبة القضايا المسحوبة بعد “الصلح” الاجتماعي تقدر بحوالي 60% من مجموع القضايا المسجلة في العنف الأسري“.

صورة تظهر المحامية أ. حليمة في مكتبها
القانونية والمحامية الخاصة في المحاكم الليبية الأستاذة حليمة الشحّ، في مكتبها – تصوير السيّد / نزار شنيشح

كما تضيف أن “قضايا التعنيف أغلبها مقدّمة من زوجات ضد أزواجهن، إلا أنه هناك قضايا أخرى مقدّمة من سيّدات ضد إخوتهن، وتتم غالبا بحضور الأب نفسه، ففي ظل انتشار السلاح وسهولة الوصول إليه من قبل الشباب ومع ازدياد الحروب واضطراب الحالات النفسية للمحاربين وعدم استقرارها تم ارتفاع تسلط الشباب في البلاد؛ يفقد الأب منح الأمان لنفسه من ابنه؛ فضلا عن بناته

تعقب الأستاذة حليمة أن “ثقافة اللجوء للقانون ليست منتشرة للحد الكبير في البلاد، بل إن بعض الناس يرون في اللجوء للقانون فضيحة دون أي فائدة، رغم أن الأحكام القانونية تسري في صالح المرأة المعنفة في أغلب القضايا، بنسبة 95% تقريبا. أما عن قضايا الطلاق فإن حوالي 80% منها واقع بسبب الضرر، سواء كان نفسيا أو جسديا“.

كما تعتبر البيئة الاجتماعية لليبيا بيئة منغلقة، وتعتبر كلّ ما يدور في البيت أمرا خاصا وغير مسموح لأحد أن يطلع عليه، ممّا يزيد الأمور تعقيدا. ويتم تهديد بعض النساء المعنَّفات من قبل المعنِّفين – الأزواج تحديدا –، حيث قالت الأستاذة حليمة:

“يتم تهديد النساء أحيانا حين تهمّ برفع قضية ضد زوجها، حيث يهددها المدعي عليه بنشر صورها عبر الانترنت أو تشويه سمعتها والطعن في شرفها، أو يتم تهديدها بأطفالها إن كانت أما، مما يجعلها تخاف وتسحب الدعوى في أحيان عديدة”.

صورة تظهر يدين مكتوب عليهما لا للعنف، ،عليهما آثار الضرب
صور الفنّانة : كريمة مخلوف

خاتمة: اسمعوا صراخ ما وراء الجدران

يضع المجتمع مِقصلة على المرأة المعنفة، فبين عدم الشعور بالأمان وما يؤدي به العنف إلى آثار نفسية سلبية على النساء؛ تجد المرأة نفسها في مواجهة الجميع، ويُطلب منها أن تؤدي واجباتها على أكمل وجه، دون الالتفات إلى حقوقها.

هل سنلاحظ ازديادا في الوعي لدى المجتمع بخطورة العنف الأسري وآثاره السلبية الظاهرة للعيان في السنوات المقبلة؟ هذا ما نأمله حقا، فالوعي أهم ما يمكن أن يقدمه الفرد لنفسه ولمجتمعه.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)

  1. نعم.. كل ما ذكر صحيح.. والأبناء خصوصا.. هو أكثر ما يجعل الزوجة مكتوفة اليدين أمام عنف الزوج.