الحروب والنزوح وغياب القانون يزيد من وقوع العنف القائم على النوع الاجتماعي - Huna Libya
مصطلح جديد لقضية قديمة article comment count is: 0

العنف القائم على النوع الاجتماعي ، أنواعه، أشكاله ومعناه

العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال مصطلحا جديدا، لم تألفه الأسماع في ليبيا بعد. خصوصا وأنّه يبدو للوهلة الأولى مصطلحا غريبا غير مترابط، إذ حتى هذه اللحظة لم تتضح معالم الفروق الدلالية بين الجنس والجندر في القاموس العربي، كما لم يتبلور مفهوم النوع الاجتماعي، بعد، في الثقافة العربيّة.

في هذا المقال، سنحاول عرض قضيّة العنف القائم على النوع الاجتماعي، معدّدين أنواعه وموضّحين أشكاله. مع مقدّمة تبسيطيّة لمفهوم النوع الاجتماعي (Gender) والجنس (Sex).

رجل يقف خلف امرأة ويقوم بوضع يده على فمها - العنف القائم على النوع الاجتماعي

النوع الاجتماعي: المفهوم والفروقات

تعرّف منظمة الصحّة العالمية النوع الاجتماعي/الجندر (Gender) بأنّه: “الخصائص المبنيّة اجتماعيّا للنساء والرجال، مثل الأعراف والأدوار والعلاقات بين الذكر والأنثى. كما تختلف من مجتمع إلى آخر ويمكن تغييرها”

أيّ أنّ مفهوم النوع الاجتماعي متعلّق – بالدرجة الأولى – بالأدوار الاجتماعيّة للذكر والأنثى في المجتمع، وكيف تنظر لهما الثقافة المحلية. بمعنى: هي الفروقات التي يشكّلها المجتمع بين الجنسين، وما الذي يسمحه وما الذي يمنعه، لكلّ منهما.

وكلمة(اجتماعي) هي المدخل لمفهوم الجندر. ايّ أنّ النوع الاجتماعي مرتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمع وأعرافه وتقاليده وكيف ينظر إلى الذكر والأنثى. لذلك تمّ ترجمة كلة Gender في الإنجليزيّة، إلى نوع اجتماعي.

على سبيل المثال: دور المرأة العاملة في المجتمع وخياراتها، مهام المنزل وربطها بالمرأة، الرجل لا يبكي، المرأة تحكمها العاطفة، من حقّ الرجل أن يضرب المرأة، وغير ذلك من الفروقات والتصوّرات التي يضعها المجتمع.

وإذا كان مصطلح (اجتماعي) هو المفتاح الأهمّ لفهم الجندر/النوع الاجتماعي المتعلق بالأدوار الاجتماعية للذكر والأنثى (وبالمناسبة هذه الأدوار ليست ثابتة)؛ فإنّ مصطلح (بيولوجي) هو المفتاح لفهم الجنس (Sex). إذ الجنس متعلقٌ بالفروق البيولوجية بين الجنسين؛ كالأعضاء التناسليّة والوظائف الفسيولوجية والصفات الوراثيّة، ولا علاقة له بالأدوار الاجتماعية لهما.

امرأة حزينة وتبكي

مدخل إلى العنف القائم على النوع الاجتماعي

يعرّف العنفُ القائم على النوع الاجتماعي أنّه “أيّ فعل مؤذٍ يُرتكب ضدّ إرادة الشخص. وهو مبنيٌّ على الفروق بين الذكور والإناث التي يُعزى وجودها لأسباب اجتماعية” – توجيهات اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات من أجل دمج التدخلات في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في العمل الإنساني، 2015.

إذن؛ هو عنفٌ قائم على الأدوار الاجتماعية بين الذكر والأنثى، كما تراها الثقافة المحلية، ورغم أنّ الغالبيّة العُظمى من ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في مختلف الثقافات هم الفتيات والنساء؛ إلا أنّه ليس منحصرا على الإناث فقط، بل يشمل الذكر أيضا، وهذا هو جوهر اختلافه عن مصطلح العنف ضد المرأة.

وعندما يرى مجتمع ما (كالمجتمع الليبيّ) أنّ الرجل يحقّ له ضرب المرأة. أو أنّ المرأة لا تصلح لأيّ وظيفة كالرجل. فيقوم المجتمع بحصر خياراتها بين المعلّمة والطبيبة مثلا، ناهيك عن قسم آخر من المجتمع يرفض عملها اساسا. ويقيّد حركتها. فهذا كلّه يُعتبر عنفا قائما على النوع الاجتماعي.

هذا النوع من العنف هو الأكثر انتشارا والأقلّ إبلاغا. كما أنّ له أكثر من إطار. مثل: الإطار العائلي (العنف الأسري) سواء أفراد الأسرة من الدرجة الأولى أو الثانية. الإطار الزوجي بين الزوج وزوجه، الإطار الحميميّ اللازوجي IPV كالزوج السابق والخطيب والصديق، والإطار الاجتماعي ويشمل العنف الممارس في إطار العمل والأماكن العامة والمؤسّسات الحكومية كالمدارس وغيرها.

امرأة حزينة على وجهها آثار كدمات، ممنوعة من الكلام بسبب رجل وضع يده على فمها

أنواع العنف القائم على النوع الاجتماعي

تقسِّم أدبيات صندوق الأمم المتحدة للسكّان UNFPA العنفَ القائم على النوع الاجتماعي إلى 5 فئات:

  1. العنف الجسدي: وهو استعمال القوّة البدنيّة لفرض سلطة قويّ على ضعيف، وتكون نتائجه الإصابة أو الانزعاج. كالضرب واللكم والحرق وليّ الذراع وما في حُكمها.
  2. العنف الجنسي: هو أيّ فعلٍ أو محاولة أو مبادرة أو تعليق ذات دلالات جنسيّة.أو ممارسات اتجار أو فعلٍ جنسيّ بالإكراه. مهما كانت علاقة الفاعل بالناجي/الضحيّة. ويشمل الاغتصاب والتحرّش الجنسي والاستغلال، وغيره.
  3. العنف الاقتصادي: هو الحرمان من الموارد والفرص والخدمات (كالصحة والتعليم). أي بمعنى الحرمان من الحقوق الاقتصاديّة. كالحِرمان من العمل، التحكّم في في أمواله/ها الشخصيّة رغما عنه/ها، التمييز في فرص التوظيف، والحرمان من الميراث وغيرها.
  4. العنف النفسي/العاطفي: وهو إيقاع الألم أو الأذى النفسي والعاطفي. وهذا يشمل ممارسات عديدة وخطيرة. مثل: التهديد، إساءة المعاملة، الإهانة الشفهيّة، الإقصاء الاجتماعي، التنمّر، السخريّة، التهديد بالهجر. وغيرها.
  5. المُمارسات التقليديّة المؤذية: وهي الممارسات المجتمعيّة المتعلّقة بأعرافٍ وتقاليدٍ متوارثة لفترة زمنية طويلة. مرتكبو هذه الممارسات يقدّمونها على أنّها أصبحت جزء من عاداتهم وتقاليدهم المقبولة ثقافيا واجتماعيّا. مثل: الزواج المبكّر/زواج القصّر/زواج القاصرات، جرائم الشرف، الزواج الإجباري، وغيرها.

بناء على هذا التصنيف، فإنّ من الضروريّ معرفة أنّ هذه الأنواع متداخلة، وليس بالضرورة أن يحدث كلّ صنف بشكل مستقلّ. فعلى سبيل المثال: حِرمان المرأة من العمل بالإكراه، هو شكل من أشكال العنف الاقتصادي المبني على النوع الاجتماعي، ولكنّه أيضا يشمل عنفا نفسيّا وله ارتباطٌ بممارسات تقليديّة مؤذية.

الأمرُ الآخر، كثيرون في المجتمع الليبيّ، يحصرون العنف، في العنف الجسديّ فقط، ضربا ولكما وتعذيبا. بينما يجهلون أو يتجاهلون بقيّة الأنواع؛ خصوصا العنف النفسيّ، والذي قد يكون أشدّ إيلاما – بعض الأحيان – من العنف الجسدي.

ففي حال سألتَ شخصا ما، هل تعرّضتَ إلى عنفٍ – أسريّ مثلا – فأوّل ما يتبادر إلى ذهنه الضرب، وقد ينفي ذلك، فقط لأنّ أهله لم يضربوه. بينما سيتجاهل أنواع العنف الأخرى.

وهذا يستلزم توعية أكبر بمفهوم العنفِ القائمِ على النوع الاجتماعي، وبالحقوق الأساسيّة للمواطن، فهناك أشخاص يتعرّضون له وهم لا يعلمون.

يد رجل تمسك يد امرأة بشكل عنيف - العنف القائم على النوع الاجتماعي

خاتمة

العنفُ القائم على النوع الاجتماعي، له علاقة بالدور الاجتماعي للذكر والأنثى، وتصوّر المجتمع لهما ودورهما وعلاقتهما ببعض، كما أنّه مرتبطٌ ارتباطا وثيقا بالهيكليّة الاجتماعية من أعراف وتقاليد قد تكون ظالمة ومجحفة.

والوضع الحالي الذي تمرّ به البلاد، من حروب متقطّعة وعدم استقرار ونزوح وغياب تطبيق القانون، يزيد من احتماليّة وقوع العنف القائم على النوع الاجْتماعي. وهذا يتطلّب منا جميعا – أفرادا ومجتمعا ومؤسّسات، أهلية وحكومية ودوليّة – تدابير أكبر للحد منه.

اترك تعليقاً