المستضعفون هم الضحية؛ المرأة والطفل - Huna Libya
العنف كثقافة article comment count is: 4

العنف الأسري في ليبيا: ثقافة ظالمة ومظلمة

عندما نذكر العنف الأسري تذهب عقول الكثير من الليبيّين إلى الضرب المُبرّح بالدرجة الأولى، ويستثنون من ذلك وجوها كثيرة، اجتماعيّة ونفسيّة واقتصاديّة، تمارسها ثقافتنا من وجوه العنف الأسري. إضافة إلى طائفة كبيرة أخرى لا ترَ غضاضة في الضرب سواء للطفل أو المرأة. فماذا سيكون موقفك لو قلتُ لك: كثيرٌ من ممارساتنا يندرج تحت إطار العنف الأسري؟.

العنف الأسري: سلوكٌ موروثٌ ومجتمعٌ مُتساهلٌ

هناك نقطتان يجب الإشارة إليهما قبل المضي قدما في المقالة. الأولى: العنف الأسري هو ثقافة بالدرجة الأولى، وسلوك مُعاش، وما لم يُجرّم (أخلاقيّا وعُرفيا وقانونيّا) فكلّ الأحاديث عنه غير ذات جدوى؛ إذ الطفل ينشأ وأبوه يعنّف أمّه وربّما يضربها، والأخ يكبر وهو يسيطر على أخته ويتحكم فيها وربما يضربها أيضا، وأحيانا تحت تشجيع الأب الذي يُشيد بابنه “الراجل” و”الغيور”، فللأسف الذي يحكمنا هو العادات والتقاليد لا القانون أو التربية.

كثيرٌ ممّا نمارسه يندرج تحت إطار العنف الأسري سواء كنتَ تدري أو لا تدري. وهو ثقافة بالدرجة الأولى.

الثانية: العنف الأسري جزء واحد من العنف كمنظومة ثقافية عامة، والذي تشهد ليبيا تفاقما له في سنوات الحرب الأهلية. من عنف الدولة إلى عنف القبيلة؛ فأصبح العنف لليبيّ خبزه اليومي. الليبيّ الذي يشاهد العنف في الشارع – وربما حتى كان مشاركا في إحدى الحروب التي لا تنفك عن التوقف في ليبيا، الليبيّ الذي يُعايش العنف في طوابير المصارف والمخابز، الليبيّ المشحون بالعدوانيّة من أول خروجه للشارع إلى عيشه وسط ضغوطات اقتصادية. فلا بدّ لهذا الشخص – إن لم يؤهّل نفسيّا – من ضحيّة؛ نفسه أو غيره، وعادة ما يكون الضحيّةَ المستضعفون، المرأة (أمّا وأختا وزوجا) أوالطفل (أخا وابنا) أو في غالب الظروف كلاهما.

صورة توضح ظلالا لأم وأب يتعاركان بينما ابنتهم تحاول قفل أذنيها

المرأة قربان العنف المقدّس

ليس سرا ولا غريبا أنّ المرأة في مجتمعاتنا هي الضحيّة الكبرى للعنف بشتى أنواعه، والعنف الأسري أحدها. منذ ولادة البنت وحتى مماتها يُمارس المجتمع عليها وأدا مُمنهجا لا يقل جاهلية عن القرون الأولى بفعل الثقافة وسلطان العادات. فما أن يمضي أيّام من ولادتها حتى يفكّر الوالدان (الأب والأمّ) في خِتانها في جريمة (ختان الإناث) لا يزال المجتمع والقانون يتغاضى عنها رغم حسم العلم للقضيّة.

كما أنّ البنت لا تكبر إلا وهي تسمع تذمّر أبيها المستمرّ من أمّها، ووصفه لها – مزاحا أو بجديّة – أنّها لا قيمة لها دون الرجل وأنّ المرأة خلقت لتخدم لا غير. أمّا إذا أرادت المرأة أن تكمل دراستها، سيكون لرأي الأبوين دورٌ حاسم في ذلك، مع العلم أنّ كثيرا من الآباء لا يرون حرجا في منع زوج ابنتهم لها من حق العمل أو إتمام الدراسة. وهذا مثال من أمثلة اجتماع العنف الأسري على المرأة، زوجا وبنتا في نفس الوقت.

ختان الإناث جريمة، وشكل من أشكال العنف الأسري المسكوت عنه، ولا يزال القانون والمجتمع يتغاضى عنها

ويستمر مسلسل العنف الأسري الموجّه نحو المرأة، في حرب لا هوادة فيها. فإلى عهدٍ قريب في ليبيا – وربما لا تزال قائمة في بعض القرى – كان يحقّ لابن العمّ أن يرفض ويعترض على زواج بنت عمّه من شخص غريب إن طلبها لنفسه. ويسمّى محليّا “التحجير” أي: يحق له طلبها لأنّه  “أولى النّاس بها” كما يعلّل أنصار هذه العادة؛ على أساس أنّ ابنة عمّه حق أصيل له مثل بقرة ورثها عن جدّه، وليست إنسانا ذا كيان واعٍ مستقل، بلا مراعاة لرأيها ومشاعرها ورضاها. كأنّها سلعة تباع وتشترى! في مظهر من مظاهر أبويّة المجتمع.

زوج يضرب زوجته وابنته تصم اذنيها وهي تبكي، العنف الأسري في أحد أشكاله

الطفل: البراءة التي نلوثها

نفوس الأطفال مرآة صقيلة تعكس بكل جلاء علاقة الأبوين. فلا يعتقد الأبوان مهما حاولا التغطية؛ أنّ توتر العلاقة بينهما لن يلتقطها الطفل بوعيه أو لاوعيه. فما بالك لو كان التوتر بينهما ظاهرا بالصراخ والبكاء وربما الضرب، فيكون بذلك عنفا أسريا مزدوجا للمرأة بإلقاء العنف عليها والطفل باستقباله لهذه الحالة.

وللأسف، كلّنا نشارك في نشر العنف ضد الأطفال، غالبا عن جهل وقلة وعي. مثل الألقاب المعيبة والمهينة التي نطلقها على الأطفال وأحيانا يطلقها الأب كذلك ويصرّ على إحراج طفله بها. أيضا، إذا رأينا صديقا/أخا/صهرا لنا، يضرب أطفاله، سنقول: “خليه يربيهم، يستاهل، ولده وحر في تربيته” ولا أدري على أيّ مدرسة تربوية تقيّّم هذه التصرّفات التي تنتج جيلا مشوّها. واعلموا أنّ الطفل الذي يبول على نفسه عند تعنيفه قد وصل إلى أقصى درجات القهر النفسي الذي يجب بسببه محاكمة أبيه محاكمة شديدة.

أب يمسك حزام سرواله ليضرب ابنه الذي يجلس مرتعدا خائفا

الطفل الذي يبول على نفسه عند تعنيفه قد وصل إلى أقصى درجات القهر النفسي الذي يجب بسببه محاكمة أبيه محاكمة شديدة.

من مظاهر العنف الأسريّ تجاه الأطفال، ظاهر “عمالة الأطفال” والتي أصبحت ملاحظة بشكل كبير في ليبيا؛ وبالذات في الأسواق. خصوصا الأعمال التي لا تناسب عمرهم وتسرق طفولتهم وتحرمهم تعليمهم. ظاهرة أخرى أسوأ، وهي استغلال الأطفال في الشحاذة وتربيتهم على ذلك.

خاتمة

الآن وبعد هذه الجولة في الزوايا المظلمة من ثقافتنا الظالمة في بعض جوانبها:

هل لا زلت تعتقد أنّ العنف الأسري مقتصر فقط على الضرب المبرّح والذي تراه أنت جريمة؟ بينما أنت قد تمارس جريمة أكبر جُرما وأطول أثرا من الكدمات الظاهرية إلى الكدمات النفسية، التي هي أكثر فتكا إذا ما قورنت بنتائجها. وكلّ أشكال العنف لا يُستهان بها.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (4)

  1. العنف الأسري مايضرش الا الطفل لأني اني كنت عايشه في جو العنف في طفولتي وكنت نخاف هلبا وكنت نخاف نمشي لي دراستي ونخلي ماما في الحوش بروحها وكبرت في جو هذا الي ان أصبحت اتعقد من مسألت الزواح خوفا من ان يكون الرجل مثل بابا
    نصيحه
    قبل ماتتعاركو شفو لي صغاركم لأنه الشي هذا راح يعقدهم لما يكبرو

  2. في بعض من الكلام نأيده وفي بعض نختلف معاه كونه ينافي شرعنا وديننا فالضابط عندنا هو الشرع وليس دراسه اثبتت وفلان قال وقال … وأرى انكم تلعبو علي وتر حساس في المجتمع بحجة قضية المرآة وحقوق المرآة وغيرها من المصطلحات التي تفسدون بها الجيل فإن فسدت المرآة سينشأ جيل مبني على الفساد والإنحطاط الأخلاقي.

  3. نصف مشاكل المرأة أو أكثر سببها المرأة نفسها، وذلك إما بتبنيها للأفكار المتحجرة، وبذلك ستنقلها للأجيال اللاحقة، أو باكتفائها بالإستسلام والخضوع لما تعانيه

  4. لذلك من المفروض المرأة تكون ذو شخصية قوية وليها حرية تعبير عن مطالبها اللي تبيها او اللي من حقها انها تتحصل عليها ، سواء اي حاجة راغبتها ! عمل ! سواقة ! زواج يكون ليها حرية الاختيار والعيش كيف ماتبي هيا ! مش زي مايبي بوها أو خوها ! باش تتحصلي ع مطالبك فى المجتمع المُعاق هذا لازم تكوني قوية قدامه ومتخافيش من كلام ناس ولا شن بيقولو عليك خليه اخر همك ! المهم أنتِ شن تبي ؟ لوين تبي توصلي ! وبس ، واما العنف القائم ضد الاطفال هذا ما عندي مانقول فيه الا ان قاعدين جاهلين ومش عارفين قيمة الطفل شن هيا مش فاهمين أنهم بلأسلوب هذا ميأذوش فى طفلهم يس ! لأ يأذو فى مجتمع بأكماله ! وكان كل اب ولا أب يعاقب فى طفله بضرب أو بشتم ؟ شن متوقعين منهم يطلعو فى مسقبل مثلا ؟