article comment count is: 0

الموروث الثقافي الإنساني الليبي في خطر

رمضان امحمد الشيباني- تحول علم الآثار إلى عنصر هام من عناصر الحياة الثقافية، وقد أستوجب أن ينال هذا العلم عناية خاصة ومكثفة في العصور الحديثة وفي البلاد العربية والإفريقية، كونها بلاد العجائب والمعجزات والآثار ومصدر الأديان السماوية ومبعث الثقافات التي نقلت إلى الغرب الثقافة والحضارة كما نقلت إليه الأديان.

ولعل هده الخصوصية هي التي تفسر اهتمام الغرب بآثار الشرق إلا أن اهتمام ليبيا بآثارها تأخر نسبيا نتيجة الظروف السياسية والتاريخية التي مرت بها في القرنين الماضيين، رغم أن مواكبة واهتمام الغرب بهذه الآثار ساهم في استفاقة الوعي الثقافي الوطني بأهمية هذا الموروث الثقافي المهم.

وتزخر البلاد الليبية بإرث حضاري ضخم، جذوره موغلة في القدم، وذلك سببه أن تسلسل الاستيطان البشري فيها لم ينقطع فنتج عن ذلك ثقافات وحضارات إنسانية منذ عصور ما قبل التاريخ بكل تفرعاته القديم والوسيط والحديث وبماعرف فيه من ثقافات (الحصوية والاشولية والموستيرية والعاتيرية والرعوية وغيرها ….) تم فترة قبيل التاريخ التي ازدهرت فيها كثير من القبائل الليبية الي ان كان الموعد مع زمن المدنيات الكلاسيكية والذي بداء في الالف الاولى ق.م بالتحديد القرن السادس والسابع ق.م عندما جاء التجار الفينيقيين واسسوا مستوطنات على الشواطىء الليبية بالمنطقة الغربية وهي لبدة واويا وصبراته تم في القرن السابع ق.م بالتحديد سنة 631ق.م جاء الاغريق الي منطقة قورينا واسسوا اول مستوطنة لهم في ليبيا التي اتسع نفودهم واختلطوا بالسكان المحليين واسسوا المدن الخمس ” البنتا بولس “.

وازدهرت المدن الثلاث في الغرب الليبي ” التري بولس ” في الفترة الرومانية في القرون الميلادية الاولى الي ان جاءت” المسيحية ” وتغير دين الامبراطورية الرومانية الوتنى وكان لهذه المرحلة ايضا وجود كبير في ليبيا وهو ما يعرف بالفترة البيزنطية ثم كانت ليبيا في موعد مع الفاتحين المسلمين التي احتضنتهم ورحبت بهذا الدين ومراحل تاريخية اخرى كثيرة منها الاسبانية وفرسان مالطا والفترة العثمانية والقرهمانلية والاحتلال الايطالي.

كل لهذا الزخم من الاستيطان البشري والحوار الحضاري مع كل ثقافات حوض البحر المتوسط اثاره وشواهده منها ماهو فوق الأرض، ومنه ماهو مدفون في باطنها تظهر مكوناته الاثرية والتاريخية على هيئة مدن ومواقع تاريخية واثرية ومن كل ذلك  يمكن تقسيم  الموروث الليبي إلى تراث تقافي وتراث طبيعي ويتضمن التراث الثقافي تراث مادي منقول وتراث مادي غير منقول  وتراث غير مادي ،ويندرج تحث التراث الغير منقول  كل المواقع الاثرية والمراكز والمدن التاريخية والمعالم المعمارية المميزة ودور العبادة ومساكن الكهوف والاثار الصناعية .فيما يشمل التراث المنقول فيتضمن اللقى الاثرية  ،والصناعات التقليدية ،والمخطوطات والوثائق. أما التراث الغير مادي فيشمل الموسيقى والفلكلور  والادب والشعائر الدينية والتقاليد ،فيما يضم التراث الطبيعي  المحميات الطبيعية والتكوينات الجيولوجية  ومواقع الطبيعة الخلابة والمتحجرات العظمية وغيرها ..

منذ انطلاق الحرب الليبية في فبراير2011 م لايزال هذا الموروث الثقافي الضخم يتعرض لخروقات واشكاليات كثيرة وخطيرة جدا تهدد وضع الموروث الثقافي الانساني بليبيا وتضع الدولة الليبية في وضع محرج امام المؤسسات الدولية التي تعنى بحماية الموروث الثقافي خصوصا وان ليبيا من الدول التي لها السبق في التوقيع على جل الاتفاقيات والمواتيق والقوانين الصادرة من منظمة اليونيسكو والمؤسسات التابعة لها مثل الايكوم والايكروم وغيرها ومن أخطر هذه الخروقات والتهديدات مايلي :

  • الحفر والنبش العشوائي للبحث عن الكنوز
  • التوسع والزحف العمراني الغير مقنن والذي ادى الي تدمير الكثير من المواقع والمكونات الاثرية والتاريخية.
  •  الاعتداء على المواقع الاثرية الشاطئية ومسحها لتهيئتها كمصائف لغرض استتمارها ووصل في بعض الاحيان الي داخل الحرم الاثري للمدن الاثرية كما حدث في مدينة شحات الاثرية
  • تعرض المتاحف والمخازن والمواقع والمدن الاثرية الليبية للسرقة المنظمة والنهب المستمر.
  • أستمرار عملية الاتجار الغير مشروع بالقطع الاثرية في داخل وخارج البلاد الليبية ساعد المجرمين والمنحرفين لتكوين عصابات منظمة تهتم بهذا الشأن.

ومازاد الامر سوء وخطورة هو ما يحدث من غير قصد بشكل غير منظم  ،أو  بقصد  وتعمد و بشكل منظم من جهات خارجية لتشويه وطمس بعض المواقع الاثرية.

كما أن دخول بعض الجماعات المتشددة لليبيا وتصدرهم للمشهد وتفعيل تواجدهم بالبلاد وأتباث نواياهم تجاه هذا الموروث عبر قيامهم سراً وعلناً بهدم وطمس وازالة الكثير من المواقع التي ترجع الي الفترة الاسلامية مثل بعض مكونات المساجد (المنابر والزخارف والكتابات ولوحات التدشين داخل بيوت الصلاة وأحيانا خارجها) والاضرحة والزوايا والقبور والمساجد احيانا.

ويمكن التأكيد أن من أهم أسباب التمادي في تهديم الموروث الثقافي من جانب الافراد او الجماعات هو ضعف وهشاشة الوضع الامني بالبلاد، وعدم مقدرة جهاز الشرطة السياحية وحماية الاثار من ممارسة عمله بالشكل الصحيح نتيجة تغول وسيطرة بعض الجماعات والعصابات المسلحة وقوة امكانيات تسليحها إذا ما قورنت بجهاز الشرطة السياحية وحماية الاثار.

وقد ساعد على تفاقم الامر جهل جانب كبير من شرائح المجتمع وعدم وعيهم لاهمية هذا الموروث الثقافي، وقلة الامكانيات المادية والبشرية للمؤسسات التي من شأنها حماية الموروث الثقافي الانساني بليبيا، وضعف وقصور مواد ونصوص القانون رقم (3) لحماية الاثار والمتاحف والمباني التاريخية وخصوصا ما يخص العقوبات، وعدم وجود نيابة خاصة بجرائم الاثار، وعدم وجود مخازن ومتاحف ومخابىء ملائمة ومجهزة بأمكانيات حديثة للمراقبة الذاتية، وعدم الانتهاء من توثيق وتسجيل الموروث الثقافي الليبي بالطرق العلمية الحديثة.

وفي هذا السياق يبدو من المهم استعراض القطع الاثرية التي تم نهبها وسرقتها من متاحف ومخازن وودائع الاثار اثناء الحرب وذلك على النحو التالي:

  • سرقة بدلة المجاهد سعدون السويحلي من المتحف الوطني.
  • العبث بشكل كبير بمحتويات متحف ليبيا وسرقة قطعة فسيفساء تم استرجاعها ولكن بعد تشويهها والعبث بمعالمها.
  • سرقة أكثر من 105قطعة أثرية من متحف بن وليد الاثري بينها مصابيح وجرار ومنحوتات وصحون تعود إلى فترة مهمة من التاريخ الليبي القديم .
  • سرقة 3 قطع ذهبية و3 قطع فضية عبارة عن عملات نادرة من متحف سلطان وسرقة 27 قطعة عملة برونزية من متحف مصراته ،و سرقة أكثر من عشرة ألاف قطعة أثرية من مصرف الصحاري في بنغازي
  • سرقة4 صحون فخاريةمن متحف سوسة ،وهي صحون تشير إلى مرحلة مهمة من مراحل التاريخ الإنساني الليبي في العهد القديم.
  • إختفاء تمثالي سيرابيس الشهير من متحف صبراته وتم استرجاعهما

هذه عينات بسيطة لبعض الانتهاكات التي تحدث في حق الموروث الليبي، وهناك بكل تأكيد انتهاكات أخرى وسرقات غير مسجلة لدى مصلحة الاثار نتيجة النبش والحفر العشواي الغير قانوني،مثل ماحدث في تمثال بيرسيفوني الذي تم تهريبه من شحات الي لندن عن طريق مواطنين اردني واماراتي وعرضه في احد المزادات في لندن وتم التعرف عليه كأحد طرز النحت الغير موجودة الا بليبيا ورفعت فيه قضية وتم الحكم بإرجاعه الي موطنه الاصلي بليبيا وكذلك قضيتنا الحالية التماثيل الثلاثة التي تم القبض عليها بسويسرا وهي قيد التحقيق والاجراءات القانونية.

تجدر الإشارة إلى أن وزن هذه التماثيل المسروقة ليس بهين فهي تزن اطنان، وتحتاج لرافعات ولكن يتم تهريبها بالجملة !!!!! .والسؤال الان كيف يتم سرقة كنوز ليبيا الثقيلة الثمينة وتهريبها خارجها؟

الإجابة البسيطة هي أن هناك شركاء من الجهات الأمنية والجمركية في المطارات أو المنافد البرية والبحرية، وأكاد أجزم أن هذا العمل المشين في حق البلاد يتم بشكل منظم ومدروس ومنسق مع شركاء اجانب قد يكونوا دبلوماسيين لان مهمتهم في تهريب الكنوز الليبية تكون ايسر وأسهل اعتمادا على حصانتهم واستفادة من وضع الفوضى القائم، فيتم العمل على طمس الهوية الليبية وتدمير موروتها الثقافي فعلى سبيل المثال تبث أن التمثال المسروق الاول الذي عثر عليه في لندن وصل لندن عن طريق تركيا …؟؟؟؟

الموصوع خطير للغاية ويتعلق بتاريخ امة وخيانة وطن .

عليه نأمل من الجميع التعاون مع الوطن لحماية ماضيه المجيد وطرح الموضوع على اعلى المستويات الامنية كي تذكركم الاجيال القادمة بخير وتكونوا أحد صفحات الشرف في هذا التاريخ.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية