الأعمال غير القانونية في ليبيا
article comment count is: 0

غدي كفالة تكتب: القبول الاجتماعي بمهن غير قانونية في ليبيا

داخل بيوت الليبيين وبين جلساتهم العائلية لا يخلو الحديث عن ابن فلان وابن علان، ماذا يعمل؟ ومن أين يستجلب مصدر رزقه؟ فتتذبذب الإجابات بين مُهرب للعمالة الإفريقية الوافدة أو بين مُهرب للمحروقات والموارد البترولية المحلية، وإجابات أخرى قد يرتفع فيها مستوى القبول الاجتماعي إلى تاجر عملة أو آمر ميليشيا ما. فلا يتوارى أحد عن إبداء اشمئزازه أو سخطه من هذه المهنة حتى أصبح الوضع الطبيعي لدى الكثير من العائلات الليبية عقد صداقات مع رواد هذه المهن.

تتعدد المهن غير القانونية مؤخراً بصور غير استثنائية، إذ تتكاثر في العديد من المدن الحدودية الشمالية بؤر التهريب الحية عبر المعابر البرية بصورة حرة كلياً، تمرر السلع والمواد البترولية عن طريق شاحنات وعربات عادية، ولا يخفى عن الجميع مدى الأرباح السريعة التي يجنيها رواد هذه المهن -بسرعة بكيتيرية- وتمتد هذه المهن حتى أقصى الجنوب الليبي، والذي تمرر منه المعادن والسيارات المهربة التي وُجدت في دول إفريقية وآسيوية وصولاً لإسرائيل، بالإضافة إلى تمرير البشر والذي يعد من بين أهم الوجهات القاصدة والنافرة في ذات الوقت للعمالة الإفريقية الوافدة في مشهد كلاسيكي يومي ومتكرر.

وفي جانب آخر تستفحل الأعمال الأكثر رواجاً وهي الأعمال الميليشياوية بين نشاطات متنوعة، كالقتل والتخريب والاعتقال القسري.

 

أسباب القبول الاجتماعي:

تتغير المجتمعات بتغير القيم المبنية عليها، فتغير القيم انعكاسٌ لتغير الواقع المُعاش، فما كان غير مقبولٍ في السابق أصبحت قابليته تتزايد يوماً بعد يوم بسبب الأوضاع المتردية، تحكي “نادية” من مدينة زوارة أن بعض العائلات في زوارة لا تواجه مشكلة في مُصاهرة من يمتهن مهنة التهريب، حيث أصبح الغطاء الاجتماعي واقعاً حقيقياً بين الأسر والأهالي دون إبداء أي سخط أو امتعاض من هذه الأعمال، فأصبح الأخ والأب والشريك وحتى الطفل  يمتهنها عقب الثورة في سبيل توفير لقمة العيش واستغلال الموقع الاستراتيجي الحدودي الذي تقع فيه المدينة؛ ولهذا أصبح القبول هو الخيار الوحيد المتاح لهم.

تواصل “نادية”  باستياء حديثها أن الأجدر بالأهالي ردع أبنائهم بدلاً من تشجيعهم وتقديم يد العون لهم لارتياد هذا النوع من المهن، “فسُمعة المدينة أصبحت على المحك” على حد قولها، كما أن الأطفال الذين يمتهنون بيع البنزين على الطرقات لمساعدة ذويهم في العطلات الصيفية سيجدون أنفسهم رهن هذه المهنة متى بلغوا أعماراً أكبر، وبالتالي وطبيعياً سيتخلفون عن مدارسهم وجامعاتهم، وسيصبحون كأمثالهم السابقين من عائلاتهم (باعة للبنزين المهرب).

 

لما هذه المهنة بالذات؟

ومن الجانب الآخر يقول “أحمد” وهو أحد تجار العملة في طرابلس إن “تجارة العملة ليست محرمة شرعاً، بل بالعكس نحن نقوم بتقديم خدمة وهذا مقابلها، نوفر لهم هذه الخدمة في الوقت الذي تعاني فيه الدولة من شح النقد، من الطبيعي أن نلجأ لهذه المهنة خاصةً بعد الثورة”، يستطرد أحمد بقوله أن أغلب المترئسين للسوق السوداء في ليبيا هم “ناس تخاف الله، ولو كانت هذه المهنة محرمة لما كانوا من الممتهنين لها، فأنا وهم نعول عائلات وأطفال ولا نرضى بأن نؤكلهم من مال حرام”.

لربما يظن الكثيرون بأن السوق السوداء هي المتسبب الحقيقي في هبوط سعر الدينار الليبي ولكن هي انعكاس للأزمة وليست مسبب لها، كما بالضبط هو حال محطات البنزين حيث تبلغ الطوابير مسافة طويلة، فهي ليست السبب وإنما انعكاس لإقفال محطة  أو مشكلة في توفير البنزين.

“أنتم لا تعلمون عن هذه المهنة شيئاً؛ لذلك تبدون سخطكم دون معرفة “، يضيف أحمد بقوله “إننا نحن كتجار عملة نتأثر كما يتأثر المواطن العادي، أو كما يتأثر أي تاجر لسلعة معينة، فنحن نخسر في العديد من المرات، الجميع يظن أن تاجر العملة دائماً له أرباح غير منتهية وهذا غير صحيح. وأنا كتاجر عملة ألقى قبولاً اجتماعياً عادياً جداً من المحيط، فأصدقائي وعائلتي وجيراني يعلمون جيداً أنني تاجر للعملة، وفي كثير من الأوقات يطلبون مني صرف مبالغ معينة لهم، من غير أي مشاكل”.

وتتوالى المهن غير القانونية في ليبيا بتصورات مختلفة وقناعات متنوعة، فتاجر العملة يرى نفسه على حق، والمهرب يرى أن مهنته انعكاس لواقع مُعاش ولا يسبب ضرراً مباشراً على المواطنين، وبين هذا وذاك تقع ليبيا كضحية.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية