ثقافة المع والضد في العمل
article comment count is: 0

محمد سحيم يكتب: يا جارة اسكندنافيا!

قبل أعوام سألني أحد الأصدقاء نصيحةً بخصوص مهمته القادمة؛ حيث كان يعزم على إتمام دراسته الدقيقة في الولايات المتحدة، أخبرته يومها بقاعدتي الذهبية وأعلن فوراً اتخاذها مبدأً في حياته ومجال تخصصه واحترافه، قلت له:

هناك طريقان في كل مجال وحقل، الأول أن تستغرق في المجال وأن تكتسب المهارات والأدوات اللازمة لفهمه والبحث فيه وتطوير بعض أفكاره، أيضاً أن تكون في مجالك موضوعياً تهتم بالأفكار وتخفض من مستوى الانفعالات النفسية إلى أدنى ما يمكن، هذا الطريق هو الاحتراف من وجهة نظري.

الطريق الثاني متطلباته هينة مقارنة بالأول، فيكفي فيه الاستغراق في الهوامش والتعلق بالمناكفات والبحث عن الفلاشات وممارسة المناطحة بهيئة المحترف لكن بهمة حيوان.

هذا الطريق نكون فيه ضيوفاً على مجال تخصصنا، خفاف الظل نحفظ العناوين والصور العامة للأفكار لأجل استخدامها في الاستعراض على البسطاء وغير المختصين ولأجل المناكفة وإيهام الناس بالعمق الفكري والحصيلة المعرفية الكبيرة.

الطريق الأولى يستخدمها جُل أساتذة الجامعات والعلماء المرموقين في الدول المتقدمة أما الثانية فهي اختصار لما يكون عليه جل أساتذة الجامعات والنخب والمسؤولين في الدول المتخلفة الغارقة في الأزمات والإخفاقات.

صديقي الذي طلب النصيحة يومها، هو اليوم أستاذ جامعي يحمل درجة الدكتوراة في الجامعة نفسها التي التحق بها طالباً في الماجستير.

النصيحة ذاتها قلتها قبل أيام لصديقٍ آخر، فنان تشكيلي صاعد، حدثني عن بعض السجالات التي تدور بينه وبين بعض الصاعدين والهواة وسألني لأجل المساعدة في الإجابة على بعض أسئلة المناكفة الدائرة بينهم، أعدت عليه النصيحة ذاتها.

كثيراً ما تُواجهني هذه الرغبة في التناطح لكن بهيئةٍ وطراز متنكر، تكون مغطاة بقشرة المنطق ومن حولها هالة توحي أنها (فكرٌ وأدب) وأنها طرحٌ عقلاني، غير أنها ليست أكثر من استدراج إلى ساحات السجال الصفري والاختلاف الذي آخره وأوسطه أصوات مرتفعة وتنابز وتخاصم.

العظيم والمبدع هو من يرى الفكرة في أي طرح، يتعامل مع الفكرة لا مع المُفكر، فلا يستدعي اختلافه مع طرح عالم رياضيات أن ينتقد مدينته أو جنسيته أو عرقه أو توجهه الفكري أو السياسي، هذا ما يجب أن يكون في كل مجال حتى تلك التي تبتعد عن برودة الأرقام وتقترب من أحداث اليوم الساخنة، هنا يبرز الفارق بين المحترف والمناكف الهش.

نحن في أمس الحاجة إلى أن نضع كل خبرات وعادات الشارع خلف ظهورنا وأن نفسح الطريق للأفكار بدل الشخوص ونهتم بامتلاك المهارات والأدوات بدل الاستغراق في ذم الآخر والحط من قيمته وبناء شلة (مع) وشلة (ضد) في كل حقل ومجال.

في ليبيا وكل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وكل مكان يعاني من الأزمات ويكابد إنسانه ومجتمعاته الأزمات والإخفاقات، لسنا في حاجة إلى مخاصمات وتضادات، ولسنا في حاجة إلى منتصرين ومهزومين، ربما إن سمحنا لأنفسنا أن نستغرق في امتلاك أدوات الاحتراف المختلفة، كلٌ حسب مجاله، وجعلنا من الأفكار لا الشخوص هي المادة الفعالة في جل القضايا والاستحقاقات فربما ننجح في تخليق نجاح يشبه نجاحات الناجحين أفرادً ومجتمعات.

هذه النصيحة يمكن لها أن تصنع النجاح للفرد وأن تنهض بأسرة أو جماعة أو مجتمع أو أمة، التجارب والواقع يخبران أنها ناجحة على جميع الصعد.

يوماً ما كان الكمبيوتر آلة ضخمة، اعتقد الكلاسيكيون أنها لن تتجاوز مستوى الامتلاك والاستخدام المؤسساتي، لكن توسيع قاعدة الحق في امتلاك الكمبيوتر عبر إنتاج الكمبيوترات الشخصية وأنظمة التشغيل الخاصة بالاستخدام المكتبي قفزت بالتكنلوجيا والبشرية قفزات هائلة نعيش اليوم متنعمين بمنتجاتها، أحلم أن نكون مجتمعاً محترفاً، وهذا لن يكون أقل تأثيراً من تحول الكمبيوتر من آلة ضخمة تملكها المؤسسات إلى علبة صغيرة موجودة في كل بيت ومكتب وجيب.

أمة تهتم بالمهارة واكتساب الأدوات واختبار الأفكار بدل الانغماس في المناكفات والخصومات والتصيد الشخصي لزلات الآخرين ستقفز إلى الأمام بسرعة وستكون جارة اسكندنافيا في النعيم.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية