إحصائيّات عدد القتلى من المدنيّين نتيجة الصراع في ليبيا - Huna Libya
الموت ليس رقما article comment count is: 2

الأرقام، أين العاطفة في الحرب؟

ماذا تحاول أن تقوله الأرقام حول ما يحدث في ليبيا؟

وهل تنقل الأرقام الصورة الحقيقيّة عن الواقع؟

في رحلة بحثي عن عدد الضحايا الذين وقعوا منذ بداية عام 2011 وحتى عام 2019 قمتُ بقراءة مجموعةٍ من التقارير العالمية عن الوضع الإنساني في ليبيا. كانت التقارير – على اختلاف مصادرها والأرقام التي تحصيها، خصوصاً مع تكرارها – جامدة، يُوضع فيها رقم الضحايا دون خجلٍ، عاطفة أو خوف. حتى أنني تساءلت عن الحالة العقلية والنفسية التي يمُرّ بها كاتبو التقارير عند وصولهم للرقم الذي يُحصون فيه الموتى: هل يفكّرون في أشكال، أسماء والقصص التي عاشها 33 من المدنيين الذين ماتوا في سنة 2016 عن طريق مُخلّفات الحرب؟ وكيف كان مشهد موتهم المرعب؟

إجمالي عدد القتلى من عام 2011 إلى عام 2015.

الأرقام والبيانات، عُرف عنها أنّها إحدى الوسائل المُثلى لفهم ما يجري في مكان ما، في فترة زمنية معيّنة، آخذين في الاعتبار العوامل الخارجيّة، من أمثال” المسبّبات (المدخلات)، لكنّها أيضاً وسيلة غير إنسانية، وغير فعّالة في جذب انتباه الناس، كما أنها سهلة النسيان، فأن أقول: أنّ امرأة عجوزا (ثمانون عاما) ماتت بطلق ناري وهي قابعةٌ في منزلها، بمنطقة الحرشة، في سبتمبر عام ٢٠١٧  (حسب تقرير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا)، لهو أكثر إنسانية من أن تنقل أنّه وفي ذلك العام تحديدا قضى ١٨٨ مدنياً نحبهم نتيجة الاشتباكات (فقط)، لكن، ما اسم تلك العجوز؟ كيف غادرتها الرّوح؟ هل يتذكّرها أحدٌ الآن؟ الأرقام لا تقول ذلك، إنها رقمُ غير مهم، محجوزٌ في آرشيف موقع بعثة الأمم المتحدة للدعم، فقط لا غير.

الأرقام والبيانات، وسيلة غير إنسانية، وغير فعّالة في جذب انتباه الناس، كما أنها سهلة النسيان

عدد القتلى من المدنيّين فقط، نتيجة الصراع، من عام 2016 وحتى عام 2018

في التقارير الشهرية لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ( والتي تبدأ من يناير 2016 حتى يناير 2019) سترى أنّه وفي السنوات التي قلّ فيها النزاع – نسبياً – وكان الحلّ السياسيّ قاب قوسين أو أدنى؛ كان عدد الضحايا من المدنيين خلال الاشتباكات المسلحة، يتذبذب بين ٢٥٨ مدنياً في عام ٢٠١٦، ١٥٣ مدنيا عام ٢٠١٧ و١٨٨ مدنيا عام ٢٠١٨. حيث يبدو العام ٢٠١٧ أكثر الأعوام سلميّة منذ بدء الأزمة الليبية-الليبية عام ٢٠١١، والتي حصدت في ذلك العام وحده ما يقارب حياة ٢١,٥٠٠ إنسان من الطرفين بالإضافة للمدنيين. وتجدر الإشارة هنا؛ أن هذه التقارير كانت تحصي الضحايا من المدنييّن فقط عند حدوث نزاع مسلح، ممّا يعني أنّ الأرقام الحقيقيّة للموتى من المحاربين وداخل السجون وعمليات الإعدام والاغتيال لم يسجّل، هذا عدا الضحايا الذين لم يتم إحصاؤهم أصلا.

عدد القتلى بين المدنيّين حسب مسبّبات الموت من عام 2016 ووحتى عام 2018

لكن ما الفائدة؟ فذاكرة الإنسان ضعيفة، خصوصاً مع تنامي سرعة تبادل المعلومات وإرسالها. الأرقام ليست مجدية لوحدها، الشعوب التي تحكى على أنّها أرقام كلّها انتهت من على وجه الأرض أو شارفت على الانتهاء. الخوف من حكاية القصة يزيد الوضع سوءاً، ذلك الخوف وتلك الرهبة التي تدفعان الإنسان لكتمان ما حدث لقريب عبر الكاميرات أو حتى في وسائل التواصل الاجتماعي يساهم في عدم ردع أطراف النزاع عن التوقف. أن نحكي الفظائع التي سبّبتها الحروب لنا؛ هو أحد وسائل دفاعاتنا البسيطة تجاه ما يحدث من تغييبٍ لوعي الإنسان وضميره. من سيتذكّر الآلاف الذين راحوا هباءً منثوراً إذا خُلّدوا كأرقام فقط بينما يُخلّد من تسبّبوا في قتلهم وترهيبهم وتغيير مسارات حياتهم كأسماء وقصص وتماثيل وصور؟

أن نحكي الفظائع التي سبّبتها الحروب لنا؛ هو أحد وسائل دفاعاتنا البسيطة تجاه ما يحدث من تغييبٍ لوعي الإنسان وضميره

أكثر الشهور وحشيّة من عام 2014 وحتى عام 2018

في ليبيا، نحتاج لأن نسجّل كلّ شيء، إنّ البيانات والإحصائيات لهما أمران مهمّان، ونحتاج أن نستثمر جهودنا في تسجيل كافة الإحصائيات والبيانات المتعلّقة بوقت السلم أو الحرب، حتى تساعدنا على فهم ومراقبة مواضع الخلل ومحاولة إصلاحها. لكن أيضاً علينا تدعيمها بالقصص التي عشناها، كي لا ننسى يوماً ما أننا فعلاً عانينا كأفراد، مجتمع أو أمة، وأنّه علينا حقاً أن نأخذ بأيدي بعضنا البعض.

الصراع، النزاع، الحرب، سمّها ما شئت، هي وحش سفّاح لا يتوانى في أن يبيد شعوباً بأكملها ويُزيلها من على سطح الكوكب، 6 حروب ومعارك شهدتُها حتى الآن منذ العام 2011 في مسكني بطرابلس، كانت ولاتزال آثارها محفورة في ذاتي وعقلي وحتى أسلوب حياتي. هذا عدا ذوات العديدين وأجساد الآخرين. قصصٌ سمعناها وشهدناها ولا زلتُ وغيري نتعايش مع آثارها تقلق مضاجعنا. أناسٌ مرضوا نفسيّا، آخرون لم يعرفوا مذاق الفرح، غيرهم من المشرّدين والمقتولين والمفقودين والمنسيّين والضائعين في سراب صحراء العنف والكراهية.

ليبيا ليست بلاداً آمنة، هذا ما تخبرك به الأرقام، لكنّها تنسى أن الحرب وحشٌ لا يغيّب الأجساد فقط، إنها أكبر من ذلك، هي كائن حيٌّ يحصد كل ما قد يقف أمامه أو يحاول الهروب منه.

في النهاية، كيف تفاعلتَ أنتَ مع الأرقام الموجودة في هذا المقال؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)

  1. تقرير يحكي بتفصيل ع إلي نحس بيه لما نقرا أرقام الضحايا في الأخبار،
    لها الدرجه الأنسان مجرد رقم !!! ديما نفكر بنفس التفكير الي قلته في المقال
    *طريقة كتابة المقال وطرحها للموضوع بسيط ومتناسق 💕👏

  2. كوني من مدينة درنة، كنت قد رأيت عديد الضحايا المدنيين الذين سقطوا نتيجة النزاعات المختلفة، ومدينتنا نسبةً لعدد السُكّان فقد حظيت بنسيب الأسد من الضحايا المدنيين، وللأسف عام 2019 جاء بمزيد من الدماء التي ستسجّل فقط على أنّها أرقام.