"عليك أن تتمسك بالحياة رغم مسحتها التعسة، فواجبك أن تقاوم وأن تعيش ليوم آخر نكاية بالأعداء" - Huna Libya
اليوم العالمي لمنع الانتحار article comment count is: 6

تمسّك بالحياة، قراءة أخرى لظاهرة الانتحار

قبل أن تتطوّر التكنولوجيا، ويصبح الانتحار مشهداً معتاداً في الأفلام السينمائيّة والمسلسلات التلفزيونيّة، أو كليشيه ركيكا يسخر من سمين يحاول الانتحار بربط حبل على الثريّا فيسقط هو وإياها معاً. ولاحقاً “ميم” مُستهلكا على مواقع السوشيال ميديا (مثل صورة يحيى الفخراني والمسدس في فمه، من فيلم “إعدام ميت” أو نفس المشهد لستيوي من مسلسل “Family Guy”).

وقبل أن يصبح المسدس الذي انتحر به الرسّام الهولندي فينسنت فان غوخ أو رسالة انتحار شارل بودلير (المفترضة) معروضات في مزادٍ علني؛ كان الانتحار فجيعة مروّعة.

لم يقتصر الأمر على الاستهلاك البصريّ للفجيعة/الحدث، بل إنّ الكلمة – بقدر ما هي مجلجلة ومفزعة – تعرّضت لاستهلاك صحفيّ أنقص من حجمها، وقلّل من تأثير وقعها، متى ما صِيغت في عناوين من نوع “انتحار الترجمة”، “انتحار الشعر”، “انتحار الثقافة”، وقبل كل هذا “انتحار رائد الفضاء” (وهو عنوان مجموعة قصصيّة تُنسب لمعمر القذافي). هذا الاستهلاك، جعل الحدث مألوفا والكلمة مُعتادة، ما يعني أنّه سهلٌ وممكن.

دراسات مختصّة رصدت تناقصَ نِسَب الانتحار بشكل طرديّ مع نقص التغطية الإعلامية لحالات الانتحار. كما أنّ الخوض في تفاصيل الحادثة وحيثيّاتها هو ما يسبب انتشار هذه العدوى، حد التقمص. وكانت التغطيات الكبيرة التي حظى بها المشاهير المنتحرون (مثل روبين ويليامز) أحد أبرز الأسباب في انتشار الظاهرة خلال السنوات الآخيرة.

وقد لاقى مسلسل “ثلاثة عشر سبباً/ 13 Reasons Why” – المقتبس عن رواية بنفس العنوان، والذي عُرض الجزء الثالث منه مؤخرا على شبكة نيتفليكس Netflix الأمريكية – هجوما حادّا من النقّاد؛ بسبب عرضه العديد من الأسباب التي أدّت إلى انتحار بطلة المُسلسل. علاوة على المشاهد التي اعتبرت ذات تأثير سلبي على نفسيّة المشاهدين. كان مشهد انتحار هانا بيكر في نهاية الجزء الأول قد سبّب موجة حادّة من الانتقادات، قبل أن تقوم الشبكة بعد عامين بحذف المشهد، بعد نصيحة من خبراء في الطبّ النفسي، بحسب بيان رسمي صدر منتصف يوليو الماضي.

في المجتمعين الأدبيّ والعلميّ، على حدّ سواء، يُستخدم تعبير “تأثير فيرتر” للإشارة إلى عدوى الانتحار من طريق تقمّص الأساليب والأدوات، حتى يبدو الأمر كأنه معتاد، وثمّة أشخاص كثيرون قاموا به. التعبير مأخوذ من رواية يوهان فولفغانغ فون غوته الأشهرُ “آلام الشاب فيرتر“، التي كتبت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.

هذه الرواية، وُصفت لاحقاً بـ”الرواية القاتلة” بسبب كثرة حالات الانتحار التي تقمّصت نفس الطريقة التي انتحر بها فيرتر؛ الجلوس أمام طاولة مكتب وكتابة رسائل الوداع وشرب كأس نبيذ وارتداء نفس الملابس وتصويب المسدس إلى الرأس عند منتصف الليل، بالإضافة إلى فتح الصفحة التي يوجد بها مقطع الانتحار من الرواية للتأكيد على اسْتنساخ المشهد بحذافيره.

الخطير في الأمر، أن هذا التقمّص استهدف الشباب/الشابّات في سنّ المراهقة، نظراً لكون فيرتر شابّا عشرينيّا. ومن المعلوم أنّ الفئة العمرية ما بين 15 إلى 29 هي أكبر شريحة تقوم بالانتحار، بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية.

قد يكون الكثيرون منّا، راودته فكرة الانتحار مرة على الأقل في حياته، لكنه رفضها واستمر في العيش. لِم؟ أهو جُبن؟ جبن المتمسّك بالحياة! يقول ميلان كونديرا في احدى رواياته، مُجيباً عن نفس السؤال: “كلا، لأن الجبناء يخشون الموت، ويناضلون بشراسة من أجل الحياة”.

في الحقيقة، للأمر تفسيرٌ آخر كُلياً، وهو ما يعرف بـ”تأثير باباجينو“، وهي شخصية مُقتبسة من أوبرا موزارت الشهيرة “الناي السحري“. صِيغ هذا المصطلح كرّد فعل، على “تأثير فيرتر”، باعتباره عملا وقائيّا من الانتحار. كان صياد الطيور باباجينو (في أوبرا موزارت المذكورة آنفا) تحت وقع أزمةٍ عاطفيةٍ، ويعتزم الانتحار؛ لكنّ أصدقاءه قدّموا له طرقا مختلفة لحلّ مشاكله؛ فاستمرّ في الحياة، وفاز بحبيبته باباجينا في النهاية.

تفتقر معظم المبادرات، المحليّة والدوليّة، إلى وضع إصبعها على مكان الداء، لهذا تؤول جميعها إلى الفشل، فلا تحدّ من الانتحار، بل تؤدي، بطريقتها “الوردية” المبالغ فيها وغير المنطقية، إلى ازدياد نسب الانتحار. كأنّ العلاقة بينهم طردية، وليست عكسية.

ازدادت حالات الانتحار بشكل رهيب، بمعدّلٍ وصل إلى شخص منتحر كل 40 ثانية، حيث رصدت منظمة الصحة العالمية في تقريرها الصادر العام الماضي انتحار ما يزيد عن 800 ألف شخص حول العالم. جاءت ليبيا في المركز الـ129، ضمن 183 دولة شملها التقرير، بمعدّل انتحار 5.2 لكل مئة ألف شخص، أغلبهم من الرجال بنسبة 78%، وبواقع 347 حالة انتحار سنوياً.

نعم، يختلف انتحار أدولف هتلر بعد هزيمته في الحرب العالمية الثانية عن انتحار نجم فرقة لينكن بارك تشيستر بينغتون بسبب إدمان المخدّرات، بنفس القدر الذي يختلف فيه انتحار خليل حاوي بعد اجتياح بيروت عن انتحار الملياردير جيفري أبستين بسبب فضائح جنسية متعلقة باستغلال القاصرات (وللفضائح السياسية دور كبير في الانتحار، آخرها كان انتحار رئيس البيرو السابق آلان غارسيا في شهر أبريل الماضي). لكن الأكيد، أنّ الأسباب الأساسيّة والخطوط العريضة فيما يتعلق بانتحار الشباب، محدّدة وواضحة، ومتى ما أستوعبنا دوافعها بشكل دقيق، سنستطيع الحد من هذه الظاهرة.

وقعتُ مؤخّراً على ثريد طويل كتبته فتاة شابه على موقع تويتر، تقول فيه بما معناه أنها توصّلت إلى تخفيف نوبات الاكتئاب التي تصاب بها وشعورها المتواصل باللاجدوى (وهو أبرز الأسباب المؤدية إلى الانتحار) من خلال “إعادة برمجة” عقلها، برمجته على أنها ليست في سباق (أو مجال للمقارنة) مع أحد، وأنّ الحياة ليست متسارعة بمهلة زمنية محددة تلزمها بفعل كل شيء قبل فوات الأوان.

تطلّب منها الأمر الوقوف في وجه رغبتها في بلوغ الكمال، والابتعاد عن التحديات التي تُضيع فيها المنافسةُ الهدفَ الحقيقيَّ منها، مثل: تحدي قراءة أكبر عدد من الكتب في فترة معينة (ماذا يعني “التهام” الكثير من الكُتُب دون فهمها واستيعابها والاستمتاع بها؟). كما أن وضع تحديات صعبة يستنزف طاقتك وينتهي بك غالباً إلى الشعور بالفشل وعدم القدرة على فعل شيء آخر، علاوة على مرارة الاستسلام. حالة السباق، التحدي، أو المنافسة، هذه ستجعلك تركض باستمرار دون وصول، أشبه بحال الحمار والجزرة، ولن تجعلك ترى أبداً إلى ما حقّقته في حياتك لأن عينيك دائماً كانت مصوّبة نحو الجزرة ولم تنظر إلى نفسك أبداً.

“عليك أن تتمسك بالحياة رغم مسحتها التعسة، فواجبك أن تقاوم وأن تعيش ليوم آخر نكاية بالأعداء”

يقول الشاعر التركي ناظم حكمت، الذي ظلّ يقاوم العيش عبر الزنازين والمنافي رغم كل الظروف القاسية والمُجحفة بحقه. وبشكل شخصي، كان هذا المقطع الشعري، على بساطته، دافعاً كبيراً بالنسبة ليّ للحياة والمقاومة قدر الإمكان.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (6)

  1. اتمني ان يتم انشاء موقع او صفحة يكون بها اطباء نفسيين يستمعون لشباب لمعرفة مشكلتهم النفسية في سريةتامة

  2. ساعدوني ارجوكم انا بحاجة حد يساعدني اسمي محمد عمري 21 مش قادر حتى نكتب لأني مش متأكد لو في شخص حيرد عليا او لا