article comment count is: 0

خليل الحاسي يكتب: الأضحية والعنف المخادع

كان مبدأ التضحية والافتداء والتقرب بأشكال القرابين والذبائح المختلفة، يعيد إنتاج فاعليته في كل العصور الإنسانية، متخذًا أنماطا متباينة، فتارة يختار أشباه الإنسان من المجتمع الحيواني ليذهب العنف في اتجاههم. وطورًا آخر، يلجأ إلى التضحية بأفراد المجتمع من المنبوذين والمجرمين وأسرى الحروب.

تدفعنا القراءة داخل التراجيديا اليونانية إلى القول أن طقس الإبدال الذبائحي، طقس قديم يعمل على إعادة تشكيل أنموذج لأزمة دينية أفضت إلى الحل، من خلال إحلال ضحية فدائية حيوانية مكان الإنسان. وفي هذه الحالة التي تمتزج فيها الأسطورة مع الديني والقيمي، يرتكز الإبدال الذبائحي على مبدأ التضحية ببعض أفراد المجتمع الحيواني، دون أن يستتبع ذلك عواقب ثأرية من الجنس الحيواني العاجز. إلا في حالات عجيبة تتجلى داخل التقاليد الطقسية لبعض القبائل الإفريقية القديمة التي كانت تعتذر عن قتل الحيوان خوفا من الانتقام! ((كانوا يعتذرون عن العمل الذي يعتزمون القيام به، ويتأوهون على موت الحيوان تأوههم على فقد شخص قريب، حتى إذا هموا بذبحه جعلوا يستغفرونه، ثم توجهوا إلى سائر أفراد جنسه كما إلى عشيرة كبرى يجري التوسل إليها ألا تثأر للضرر الذي سيصيبها جراء قتل أحد أفرادها)) بيد أن هنالك تأكيدات في الوعي الإسلامي تثبت الأصل الإنساني للأضحية الحيوانية، وذلك على وجه الخصوص ما يمنح الأضحية قدسيتها. فغياب تلك الفرضية، يُغيّب معنى الأضحية أو القربان. إن استبدال الذبيحة الإنسانية بذبيحة حيوانية لا ينفي أصلها البشري داخل نظام اللاهوت الذبائحي. ولا يجانبنا الصواب، إن قلنا بوجود صورة إنسانية ترتبط بالأضحية بشكل ما. يشرح “جوزيف دو ميتر” ذلك في كتابه “توضيح بشأن الذبائح ” ((كان الاختيار يقع دائما على أجزل الحيوانات نفعا وأكثرها وداعة وبراءة وأوثقها صلة بالإنسان من حيث غريزتها وعاداتها، كانت تختار من بين أفراد الجنس الحيواني الضحايا الأقرب للإنسانية إن صح التعبير)). لا تخفى علاقة المجتمعات الرعوية بقطعان الماشية، فبقاء هذه من وجود تلك. أكثر من ذلك، فإن القطيع الحيواني متداخل مع المجتمعات الرعوية على مستوى القيم، حتى مهور الزواج لا تخلو من تحديد أعداد رؤوس الماشية، وبتعبير آخر، إن الوجود الحيواني الذي تنصهر فيه ثقافة المجتمع وقصائده وأدبه وحكمه وأمثولاته ومقارباته الشعرية. هو وجود مواز للوجود الإنساني على جميع المستويات. لِدم الذبيحة دور مهم في خلق حالة انسجام داخل المجتمعات البدائية، فإهراقُ دمها في مناسبات المصالحة الاجتماعية التي تستهدف قطع الطريق على الثأر، من شأنـه امتصاص العنف و توجيهه إلى اتجاه آخـر لا يهدد وحدة الجماعة. وفي حالات القتل والاعتداء تُراق دماء الماشية في محاولة لخداع العنف وإبطال فاعلية الثأر المتبادل، والحفاظ على المجتمع القبلي من التوترات الداخلية. كأن العنف لن يتوقف إلا بدخول طرف ثالث ” الذبيحة ” ينبغي أن يتحول العنف باتجاهه! ( إن الثأر الوحيد الشافي حيال مشهد الدم المهدور يكمن في هدر دم المجرم) فكان لا بد أن تتحايل المجتمعات القديمة على تلك القاعدة الانتقامية، المتمثلة في مبدأ العين بالعين _ الذي يفتح الباب أمام سلسلة من العمليات الثأرية _ عبر التضحية بمن هم أقل شأنا للمحافظة على ما نسميه حديثا بالسلم الاجتماعي والوحدة والوطنية. عاد الإنسان في عصرنا الراهن إلى الاستغناء عن فكرة وضع الحيوان طرفا ثالثا في المعادلة. ولا عحب، إن أعيد استبدال الإنسان بالإنسان في المجتمعات الحديثة. إذ لا يمكن الاستغناء عن العنف بغير العنف. ولكن هذه المرة سيخرج مبدأ التضحية والقربان عن دائرة الديني، ويقدم نفسه على مسرح القيم الإنسانية الأخلاقية التي ينبغي العمل بها. كالتضحية والإبدال من أجل الحرية، والتضحية بالأفراد والانخراط في حروب أهلية، والدخول في تضحيات تزلفًا وتقربًا لقيم إنسانية عليا تزينها الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية. على أن ذلك الطرح السابق لا ينتقص من فكرة التضحية لأجل الحرية والتحرر، وإن كانت الحرية في بعض حالاتها، تقدم الجميع على مذابح تضحية ظالمة تنتقص من قيمة الإنسان إزاء شعاراتها اللامعة. في مواسم وعهود الثورات يتحول المقاتل والمنتفض والثائر على الاستبداد والظلم إلى ما يشبه صورة “فارماكوس” إغريقي*، الذي تتكفل المدينة بالنفقة عليه تمهيدا للتضحية به في أزمنة الكوارث. وسرعان ما سيرسله المجتمع إلى منافي الشك واللعنة، بعد أن تتوفر للأخير كل أسباب التضحية الواجبة بذاك المنتفض الذي كان السبب الرئيس في انتشار وباء العنف، وكان دفاعه عن المجتمع ومصالحه المزعومة ذريعة لنشر أهوائه الجامحة بين أفراده، فالعنف متى ما استيقظ، جعل يجهز كل أفراد المجتمع للقتال. وتبدو التهدئة من ذلك العنف، أصعب بكثير من إثارته. فلا خلاص يبدو بالأفق إلا في التقرب بمثيري العنف بنوع آخر من العنف. وفي العصور الدينية المظلمة، يعلو كعب الإيديولوجيات التي تعتاش على العنف طمعا في اللاعنف! فخلف عنف الجماعات الدينية، تختبئ فكرة الخوف من الغضب الإلهي المؤدي لصب العنف على المجتمعات التي لم تتمثل لأمر الله. فهو، إذن، نوع من ممارسة العنف ضد بعض أهل الأرض تجنبا لعنف السماء. هكذا اختارت الجماعات الدينية أن تجدد شكل الأزمة الذبائحية القديمة، التي تتنازعها إرادة السماء، وقدر الضحية البريئة. فلم تتوانى الأولى عن تكديس القرابين والأضاحي البشرية على المسالخ الدينية، والانخراط في حروب تطهير دينية، قطعا لدابر العنف القادم من السماء. ها نحن ذا ندور باستمرار جبري داخل دائرة العنف والخوف من العنف، من خلال طقوس الإبدال وتقديم القرابين التي تظهر حينًا في صورة الحيوانات والأضاحي، وحينا آخر تختفي خلف الرغبة الإنسانية في التخلص من العنف، والتوق إلى السلام الذي لا يحقق تمايزه الكامل إلا باكتمال تجربة الحرب وتقديم القرابين البشرية من المناضلين والمقاتلين والثوار. ولا يعد من المثير اللافت في يومنا هذا، إقبال المجتمعات الإسلامية الغارقة في العنف والدماء على أداء طقوس الإبدال الذبائحي المصاحبة لعيد الأضحى. وليس مرد ذلك الإقبال نوعا من التقليد الاجتماعي أو محافظة على مفاعيل العادات أو تمسكا بالشعائر الدينية. وإنما له أبعاد عميقة تتعلق بالخوف من العنف الذي ذكرنا بعض تجلياته فيما سبق قوله، والذي ما انفك يشكل واقع المجتمعات الإسلامية. ويرتبط أيضا _ ويا للمفارقة _ بنوع خاص من القيم التي تساهم في استكانة العنف الداخلي، والجنوح نحو السلام.

*يمثل الفارماكوس في الثقافة الإغريقية القديمة كبش الفداء البشري من العبيد والمجرمين والمراهقين الذين لم يكونوا بعد روابط اجتماعية متينة داخل المجتمع. كان هذا الفرد يختار بعناية ويطرد من المدينة خلال أوقات الأزمات والكوارث الطبيعية التي تستلزم الغفران والتطهر من الدنس.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية