article comment count is: 0

سعاد سالم تكتب: خالتي الحاجة مريم.. أنجلينا جولي الليبية

(تعلّم لحسانة في روس ليتامى)، (كان لاقاك ليتيم طبّه مش أحن عليه من ربّه).. هذه أمثال شعبية متداولة وربما تمر كل يوم ضمن الأحاديث المناسبة هكذا بسلاسة دون أن ننتبه لمعانيها المروعة، كما أنها مصحوبة غالبا – خصوصا المثل الأول – بالضحك والكثير من التسلية.

حدث في الجلسة التي حضرتها في مناسبة ليست بعيدة جداً، أن جاء ذكر هذه الأمثال، ولكن حينما أوشكت على النهاية، اقتربت مني زميلة دراسة قديمة بشكل خاص وبادرتني بالقول: “أني ماجبتش صغار ونفكر نتبنى لكن راجلي رافض”، ثم أضافت: “فتحت له كتاب مفاتيح الفرج وقلت له ربما بفعلنا هذا يرزقنا الله الأطفال”.. ابتعدت قليلا بجذعها للخلف، نظرت إلي بتمعن ثم قربت رأسها مني: “على الأقل يكبر يلقى عيلة مش ولد الرعاية ولاّ ولد حرام مثلما يقول الكثيرون”. كنت مندهشة ومعجبة بهذا المنطق الذي لا يخضع كالعادة لغلظة المجتمع الذي دائما ما يجد أشخاصا يعصون لاإنسانيته ولا يسايرونها.. كانت خالتي الحاجة مريم واحدة من تلك النسوة..

حينما كنت على أعتاب إنهاء الدراسة الابتدائية،  كان طاهر ذو الخمسة أعوام لايزال يمسك برداء خالتي الحاجة مريم ولا يغادر حجرها، كما وأنه -إمعانا في الدلال- يشرب الحليب من زجاجة الرضاعة.. زوج خالتي الحاجة مريم لا ينجب، وهذه القصة سمعتها أكثر من مرة حين يكون هنالك ضيوف لا تعرفهم ويحدث أن يكون طفلها معها، فتبادر للرد على نظرات الحيرة، وسؤال إن لم تطرحه إحداهن فإنها تبادر بإجابة عيونهن. كانت خالتي الحاجة مريم بيضاء أما ولدها فكان أسود (من دون الصغار كلهم قلبي تعلق بيه وخش خاطري).. هكذا تسرد حكايتها وتنظر إليه وتحضنه. وللمفارقة أن زوجها ما كان أحدا يناديه عمي الحاج فلان، بل اسمه مسبوق بعمي فقط، أما المفارقة الثانية فهي أن الطاهر كان الجميع يشير إليه حتى كبر، “الطاهر ولد الحاجّة مريم”.

لا أعرف الآن أين هو طاهر ولا أي صف اختار له في صفوف أهل البلاد.. ولكن آخر أخباره أنه آوى الأم التي منحته أمومتها وودها دون أن تفهم ما وجه الاستغراب في اختيارها. كانت هذه السيدة الكريمة والبشوش والودودة، أصيبت بجلطة أقعدتها. وبعدما توفى زوجها عمي فلان، ولم يكتب لها أو للولد الذي عاش تحت سقف بيته أي شيء يسندهما في غيبته، استولى أبناء الإخوة (إخوة عمي فلان) على بيت خالتي الحاجة مريم وطردوها منه.. إنه الجانب الآخر للمجتمع الذي يعاقب فيما يبدو المختلف والشجاع فضلا عن كونه امرأة، ولا يغفر للأيتام خلفياتهم  أيام الثورة، وفي حين انشغل الجميع بتتبع أخبار القذافي وخطبه والقتال على الجبهات وضربات النيتو ومسيرات التأييد، كانت مجموعة من النسوة يتدبرن أمر أطفال دار الرعاية في بنغازي وبعض المدن الأخرى التي خرجت عن سيطرة الدولة. كان الربورتاج الأغرب الذي برز في ذاك الوقت على واحد من القنوات الأوروبية، ولم تكن إشارته سياسية بقدر ما هي إنسانية وتخبرنا كيف تفكر النساء. كما أن قصة فرج الطفل الذي تبنته أم رؤوم وأبناؤها، ملأت الفيسبوك الليبي. ولكن إضافة للجملة الركيكة والخالية من الذوق التي أدرجها كثيرون جدا كتعليق على أخبار فرج (جعله الله في ميزان حسناتكم)، كانت جملة أخرى تنافس في التعليقات نصها التقريبي: (لا تقولوا له من هو.. استروه لمّا يكبر حيتعقّد )!

السؤال: لماذا (يتعقّد) أيها الشعب الطيب بطبعه والوسطي؟ كان سبب كل هذه التداعيات خبر عن رغبة أنجلينا جولي في تبني طفل سابع قد يكون سورياً.. ولكن كما ترون، أنجيلينا الليبية تعاقَب غالباً.

ملحوظة : لا أعرف شيئا عن تطورات مشروع الزميلة القديمة في التبني، ولكن تلك المحادثة القصيرة التي لا أعرف لماذا خصتني بها، كانت أجمل ما في تلك اللمّة.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية