article comment count is: 0

نجوى بن شتوان تكتب: ليبيا.. وطن حاد المذاق

شعرت  بارتياح لإنهائي سلسلة من الإجراءات الروتينية المملة التي يعشقها الإيطاليون، وتردني بطبيعتها إلى ما ورثناه عنهم في الإدارة في ليبيا، لكي يختم لك الأعمى أنك تتكلم، لا بد أن يختم لك الأصم أنك تبصر، ولكي يصادق الكسيح على ختميهما لا بد أن تمر بمديرهم متعدد الإعاقة ليخرج لك إحدى حدقتيك كإجراء وحيد للتأكد من أن مشاعرك نشطة.

هذا ليس إقلالاً لشأن الفئات الخاصة بل استعمالاً سيئاً لهم في مفاصل الدول البيروقراطية.

أما لماذا لم نحرر أنفسنا من أسلوب الإدارة ذاك، فهذا موضوع آخر.

في المطعم الذي اقترحته صديقة إيطالية، كان مفتتح الحديث، استئذاني للجلوس من إحدى السيدتين الكبيرتين اللتين تشغلان طاولة جانبية ذات موقع جيد، رحبت إحداهما بحركات الوجه دون كلام،  ومن نظرة عينيها فهمت أنها لم تفهم إيطاليتي الملكونة، لكنها فهمت أنني أحدثها بشأن الطاولة فالوقت وقت غداء والمطعم لا يوجد به مكان شاغر، ناهيك عن أن أحداً لن يكلم شخصاً لا يعرفه عن شيء لا يتعلق بالموقف والمكان.

جلست ولم تتخطاني عينا السيدة ورفيقتها، نظرت أنا الأخرى إليهما، ثم رأيت كحلاً ونظرة حارة كأني أدركها في عيون ليبية قديمة، بادرت حينها وسألتها بالعربي هل تتكلمين العربية؟ أجابتني من فورها: “نعم نعم نحن عراقيات”. وهنا تغير كل شيء من المصافحة إلى تبادل التحايا، كل ذلك وصديقتي الإيطالية تنظر باستغراب، هل تعرفينهما؟ كلا، لكنهما  من العراق وهذا كافٍ.

إذا كنت من البلاد العربية فهذا كافي لأعرفك وتعرفني، قالت السيدة. كانت رحلة طويلة من السويد إلى روما، جاء رجل كبير كان برفقتهما وجلس بجواري، لمحت في رقبته سلسالاً به صليب، فهمت أنهم ضحايا داعش بعد عمر في العراق، وفهموا أنني من ليبيا، ضحية أهلها والعالم الجشع.

كان لابد من الحديث فيما الإيطالية ذات العييين الزرقاوين تأكل الكسكسي المغربي، وتقول لي فيما بعد: “لقاؤكم جميل، وترحابكم يعطي دلالة على اشتياقكم لأوطانكم، دموعكم في نفس اللحظة وأنا لا أفهم من حديثكم سوى أسماء بلدانكم، عراق ، ليبيا وأسمع لفظكم لسوريا وفلسطين وتونس ومصر ثم تنحشر أمريكا في المنتصف، إنكم تتهمون أمريكا بالخراب أليس كذلك؟”

– نعم هي تستغل كل مشاكلنا وتوظفها، حتى بلادك إيطاليا مازالت تنظر إلينا نظرة استعمارية طامعة.

ورمقتها بنصف عين.

– لكن لديكم داعش وهي منكم وليست جسماً غريباً!

– تكثر الدمامل في الجسم المريض، نعم داعش منا وفينا كما كانت الكنيسة منكم وفيكم، الكنيسة سببت كراهيتكم لدينكم بسبب ممارسات الكهنة الأغبياء وسطوهم على حياتكم المادية والروحية، تحولت الكنيسة بهم إلى الله نفسه، وصارت تعطيكم تراخيص دخول الجنة وشهادات الذهاب للنار، هذا تماماً ما تفعله داعش بنا، تكرهنا في الإسلام، ولا أقول بأننا سنهزمها بل ستهزمنا هي أولاً وتسبب في كراهية الإسلام كي يعود غريباً.

هل ترين كم الكنائس فارغة من الناس، يؤمها السواح لجمال هندستها أو تقصدونها لسبب اجتماعي، زواج أو موت، أكثر مما تقصدونها للصلاة، هل ترين بعض الكنائس التي تفرض رسوم دخول إليها كم تتاجر بالله؟!

إنها النتيجة الحتمية لسياسة رجال الدين من أزمنة سابقة، تلك هي رفة الفراشة أو الحياة البطيئة للأشياء عبر القرون.

أنتِ اليوم تذهبين بفخر للطبيب النفسي ولا تذهبين إلى الله بفخر أيضاً، لأنكِ لا تثقين في أشرار وسيئين يتكلمون باسم الرب، كثيرون يشبهونكِ، ليس لأن الطبيب يملك علاجاً خارقاً، كلا لم أسمع عن مضطرب نفسي واحد شفي في العالم كله! إنما لسد ذلك الفراغ الذي ترتب عن ممارساتهم باسم الله، ضيفي لذلك أنكِ تدفعين تكلفة جلسات محادثة لا تقولي فيها شيء،  إلا  بأنكِ  محبطة وحياتكِ بلا معنى و تخافين المجهول بلا عمل وبلا مستقبل منظور، ثم تعودين لأبوين متقاعدين كي تشاركيهما راتبهما التقاعدي، أي مصير هذا؟ أفرغوكم من عيش الدنيا أو حتى حسن الظن بالآخرة!!

والمحصلة اليوم رجل الدين يحوز حياة دنيوية أفضل منكم. داعش تفعل الشيء نفسه بنا.

علقت بكلمة نابية شأن الأمة الإيطالية، وكشأن الأمة الليبية قلت: الله غالب!

في طريقنا إلى المطعم سألتني: ماذا تحبين أن تأكلي، لابد أنكِ تفتقدين الطاولة العربية؟

قلت لها:  أحن إلى خبز تنور أمي وقديد حايل (مر عليه حول). كنا نمشي على الرصيف المزدحم عندما فقدتها، أعتقد أنها دخلت في العمود لأنها لم تفهمني، ولما لم أجدها بجانبي عدت خطوتين للوراء ونزعتها من هناك.

هيا دعكِ من طعام رواد الفضاء الذي ذكرته، وحدثيني أنتِ عما أكلته هنا وسأعرف ما أختار! انهالت عليَّ بسرعة الفلافل والشاورما والطحينة والرز بلبن، وانتظرت لآخر القائمة، ثم أدركت أن قديد شمس تلك البلاد بعيد بعيد وخبز أمي أبعد!

قبطي من مصر على طرف الطاولة ثم كردي من سوريا وهكذا، قالت لي لقاؤكم ببعضكم فيه فرح، قلت في نفسي تعالي بعد سويعة وستجدي السب والشتم وربما ذبحاً بسكاكين الفاكهة وتراشقاً مبدئياً بالطاولات. ونحن وأنتم.

جميل أن تكون اللقاءات قصيرة، وأن تتحدث وأنت تنتظر القطار، أو لديك محاضرة أو موعد عمل أو سفر، فلا يكون ثمة وقت إلا لقول الأشياء المهمة، أن تجلس على نفس الطاولة مع آخرين يغيرهم نفاذ الطعام  وصغر حجم الصحون الذي لا يسمح بجلوس طويل ولا حتى بإجراء ( scarpetta)*  وتغادرونها بسلام، تاركين المكان لآخرين يبذرون سؤالاً ودموعاً وأبيات حب وحنين، فلا يرى منكم الغريب إلا الجزء الذي لم يره في النشرات والتقارير الإخبارية، فيقول لماذا يقدمونكم لنا بصورة بشعة، وتحمد الله في داخلك أنهم بدأوا يشكون في مصداقية إعلامهم، لكي تغتنم تلك المساحة الوليدة، وتزرع بها بعض الأفكار الطيبة عنكم، ما كان ممكناً لك أن تبذرها لولا تلك السانحة.

لسنا سيئين أكثر من سوانا من البشر، والآخرين ليسوا أكثر طيبة منا، فقط العالم لا يركز إلا على ما يعنيه منا، وهو معتني  لناصيته بتوطيد تخلفنا وحروبنا البسوسية وإطالة أمد يوم حليمة لكنه غير معني بتخفيف مصائبنا!

تصفر القطارات، تتحرك الباصات الكبيرة ويمضي كل لغايته، لا أتذكر ماذا أكلت في تلك البقعة العجلى من الأرض، لكني أتذكر حديث السيديتين وسلسال مرافقهما وتلك الزفرة التي نطقت بها السيدة الستينية عبارة “رحله طويلة من السويد إلى روما”. اختبأ العراق في ثناياها لكنه ظهر في طولها، في أنفاسها ونظرة عينيها الحزينة وقلبها الذي غادر العراق مكرهاً وما غادره العراق، فطائفتها تختلف ودينها يختلف، وداعش لا يسمح بعراق متعدد الأعراق.

ترى هل تفطنوا لشيء ما فيَّ حين سألوني من أين أنتِ وأخذت برهة من الصمت الشجي قبل أن أجيبهم:

أنا… أنا من ليبيا؟

مسح الصحن بالخبز.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية