article comment count is: 0

مفتاح كيافي يكتب: ليبيا.. موت الفلسفة وانتحار ثائر

أحسست بكثير من الرضا لحظة اكتشفت أن من لم يعش حرباً لا يعرف شيئاً عن الحياة، ولا عن حقيقة الإنسان، الإنسان كوحدة متفردة بين الناس، خصوصاً إذا كانت الحرب بين سكان أرض واحدة. وقد اكتشفت ذلك كله بالتجربة الكاملة، عوضاً عن الغوص في الفلسفة والمؤامرات الكونية وابتلاءات السماء، وظننت لبعض الوقت أنني حالة مميزة، قادمة من بلد أكثر تميزاً، لكن  أي إنسان سوري ألتقي به يثبت لي على الفور أنني مجرد دودة حقيرة ومسحوقة، ولا تحظى بأية ميزة خاصة أو دور خاص في تاريخ الإنسانية، وأنني مجرد مشروع لقصيدة، أو مسرحية أو رواية لطالما تكررت، وتسابق الكتاب – كل مرة – على نقلها في أصدق صورة، قرأتها أنا نفسي عدة مرات في خضم اطلاع سطحي على الأدب الروسي، ولطالما أفسد قتامها مزاجي، لكنني علمت بعد تجربتي الأخيرة أنني لم أعٍ شيئاً منها، ولم أنتبه للقيمة الحقيقية والعناء، والقهر الغارق في بحر من الكلمات والحبكات. فيا له من درس عظيم، ويا له من اكتشاف مر.

وانطلقت أنا والسوريون و”يسينين” في شوارع الأرض وبلوتو نغيظ بقية أبناء الكون، ونمشي بينهم بكل شموخ وعنفوان مستحق، ونعلمهم أنه بالرغم من تعليمهم المتقن، وتربيتهم الأقل عقداً، وبيئتهم الأقل قمعاً، إلا أننا نحن من اكتشفنا سر الحياة، ونحمله الآن في قلوبنا وفي كل ركن من ضلوعنا، ونأبى مشاركته مع أي من المرفهين التافهين. فقد دفعنا ثمنه كاملاً، وجريناه جراً إلى أعماق الروح، وبالرغم من محاولات الجفون المثقلة بصور الجثث وقهر الأطفال والنساء، إلا أن شفاهنا المسمرة تعجز عن البوح حتى في أرذل حالات السكر والهذيان.

وماذا يقول العالَم العامر بالكهرباء والخبز؟، “لقد تجاوزناكم”.. هكذا صرحوا، ولم نعد نهتم لعواطف الشعر وألعاب الفلسفة، وأعلن “هوكينغ” رسمياً موت الفلسفة، هل تصدقون وقاحة الرجل؟!. هكذا يعلن من رأسه مقتل الفلسفة وكأنها مجرد جندي ليبي!، وقبل أن تتاح لنا الفرصة حتى، كي نتبختر قليلاً وندلي بدلونا المليء حتى منخاره. لكننا سنخرج في مظاهرة كبيرة، بل مليونية، من أمام “صيمافرو المعاقين” في بنغازي، وسنرفض في إعلان شديد اللهجة ما تقدم به المدعو، وسيعلن ذوي الاحتياجات الخاصة في بنغازي المتمردة والمتمرمدة  أن هذا الهوكينغ لا يمثلهم، وسنظهر الحقيقة التي تغاضينا عن الإفصاح عنها طويلاً احتراماً لعلمه، فقد أعلمنا مصدر موثوق أكثر من عيوننا أنه – هوكينغ – قد استلم مبلغاً مجزياً من قذاف الدم، وأنه التقى بأعيان قبائل سبتمبر في مقهى “ستاربكس” بمنهاتن، وكان يرتدي ساعة عليها صورة المقبور “والله الله”، وأن شيخ قبيلة كيافي قام بفتح “السبيكر” ليتم هوكينغ اتفاقه مع قذاف الدم في القاهرة، إنها مؤامرة حقيقة ومؤلمة يا رفاق الثورة، وعزاؤنا الوحيد أن الشرفاء لا يشترون بالمال، بل بالحور العين وأنهار الخمر والغلمان المخلدين.

خيب الرجل ظني وقصم ظهري، وحرمني من فرصتي التاريخية لأستمتع بهبة المعرفة التي دفعت ثمنها عرقاً ودماً، وكماً لا بأس به من القهر والخوف، وقد أحرقت دواويني وروايتي وكل أطروحاتي الفلسفية، ورجعت أمشي ذليلاً مطأطئ الرأس في شوارع العالم، وعدت ضائعاً وسخيفاً يعيش على هامش المشاريع والمؤامرات الإنسانية.

لقد تعبت. وسئمت أيضاً كل النقاشات والفرضيات وأخبار القذائف العاجلة، تعبت من جراء المحاولات السخيفة لإسقاط المنطق على حالة غير منطقية بالمرة، وتعبت من لعبة التنبؤات ورهانات المستقبل، تعبت من طول نفس المقهورين وصلابة رؤوسهم وأيديهم، تعبت من حروب المظلومين التافهين، وامتلأت بالقرف من نفسي لتغاضيها عن أفعال الجهلة والبدائيين ورؤيتهم المنحطة للمجتمع الإنساني، ومن ادعائي فهم ما يجري حولي.

وأصابني اليأس من عجزي عن الحياة أينما حل جسدي.

“لقد قَضَمَتْ الحربُ روحي
من أجلِ مصالحَ غريبةٍ عني
أطلقُ النارَ على جسدٍ حميم
وأجمَحُ بصدري قاصداً أخي
لقد فهمتُ أنني ألعوبة
ففي الداخلِ التجارُ .. والسادة
لذا قررتُ بعزمٍ مودعاً المدفع
أن أقاتلَ بالشعرِ وحده”(1)

“إلى اللقاء يا صديقي،إلى اللقاء
أنتَ في القلبِ مني
إن فراقنا المقدّر
يعدُ بلقاءٍ قادم
وداعاً يا صديقي، دونَ يَدٍ،أو كلمة.
ولا تحزن، ولا تقطّب حاجبيك
فليسَ جديداً في هذهِ الحياةِ أن نموت،
وليسَ جديداً بالتأكيد أن نعيش.”(2)

(1)سيرغي يسينين

(2)من قصيدة انتحار “سيرغي يسينين”. (شاعر روسي عاصر ثورتين وحرباً ومن ثم انتحر بلا ضجيج)

*المصدر: مصنع الأوهام وكنز المعلومات بلا عرق.. الإنترنت.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر كتابها.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية