article comment count is: 0

نجوى بن شتوان تكتب: ليبيا.. رجال النار

داعش يضرم النيران للمرة الثانية في خزانات البترول. وصول أول شحنة نفط أمريكي خام إلى أوروبا بعد حظر أربعين عاماً.

أول خبرين فتحت عيني عليهما ذلك الصباح!

عالم يخرج من مآزقه، وعالم يصنع المأزق لنفسه بحفنة من الأغبياء المستبدين.

لا يصيب الخبر بالجلطة بل يواصل سلسلة اغتيالات يتعرض لها المرء بالتجزئة، وتأتيه في اغترابه مثل هدايا سيئة لا يحملها بابا نويل، بل حفنة مجرمين يتنازعون السلطة بينهم.

تلعن الشيطان رغم يقينك أن لا دخل له، وتبصق على يمينك لأن على يسارك مرآة وتبدأ يومك.

في الحمام يخرج لك من الدش صوت يحثك على الحياة وعدم اليأس، لم تعد قادراً على إنتاجه ذاتياً داخلك، أجهزتك كلها استهلكت وآلت إلى الصمت، تدرك أنها بعض أحاديث الشياطين التي تقيم في الحمام، وليس عليك إلا الاستماع لها طيلة الاستحمام، لا تحزن ولا تجعل اليأس يفتك بقلبك، يجب أن تعمل أجهزتك بشكل جيد، وألا تتأثر بانعكاسات الأخبار السيئة. يجب.. يجب.. يجب.

ومع آخر قطرات الماء على جسدك، تتذكر بعض الأكاذيب الشعرية عن الأمل مثل: وبي أملٌ يأتي ويذهب، لكن لن أودعه، فيما حياتك ليست سوى اجتراراً غريباً لـ (ما بي مرض غير دار العقيلة)*

صادف ذلك اليوم موعدي مع الكشف الدوري لسرطان الثدي. بلعت الأنباء السيئة ككل يوم عن ليبيا وجمدت دموعي في عيني وذهبت لموعدي. لم يكن معي أحد عدا أبو مثنانة الليبي (اسم شيطاني)، ارتدى معطفاً أبيضاً وجاء يجالسني في صورة ممرض.

– لماذا أنتِ واجمة، هل أنتِ خائفة من السرطان؟

لم أرد عليه.

–  لم يعد هناك سوء لم يحدث وتعيشينه، في النهاية هذه الحياة لابد أن تنتهي بالموت!

– ما ضّر الموت؟ لكن أن نكون قد عشنا دون أن نحيا حقاً، ذلك هو الضرر.

إنه إجراء روتيني يجب على كل النساء القيام به، ولا أعرف ما إذا كانت لدي أية مشاعر تجاه إجراء روتيني، فقد تعودت الروتين ونسيت أن لي مشاعر بالمرة!

لن يختلف هذا عن سواه، سأخلع ملابسي كاملة وأجلس في رداء طبي أمام أجهزة تصوير مصدرة للأشعة، في غرفة لها باب رمادي خاص وليس فيها ضوء طبيعي، أدخلها أنا والطبيب فقط، ثم على سرير في غرفة أخرى محاذية يضع الطبيب مادة بيضاء على صدري ومجسات ليراقبني من الداخل عبر شاشة كمبيوتر، هو أيضاً يتعرض للإشعاع رغم اللباس الخاص في هذه الغرف الكئيبة، التي لا يمكن إلا أن تكون موحشة وقدت من مقبرة، كيف لا!  ففيها يكتشف السرطان، ويعلن موت بعض النساء وهن بعد على  قيد الحياة.

لم أدخل الغرف المشعة أنا والطبيب فقط، حشر الشيطان نفسه معنا، ليكون ثالثنا كما جرت العادة التاريخية في سوء الظن، وجدته قبلي على السرير، ثم ليمارس وظيفته جيداً حشر أنفه مع الطبيب، ليشاهد ما يشاهده على الشاشة ثم حام حول رأسي عندما اقترب الطبيب لتوزيع المادة الثقيلة عديمة الرائحة، وليهمس لي وله بضرورة قطع الصمت وإجراء حديث.

– أنتِ خائفة، ها، أراكِ تختلسين النظرات لوجه الطبيب لتقرئي عليه النتيجة، لكن وجه الطبيب المسيحي الكافر البارد كالخنزير لا يقول شيئاً.

كان شيطاناً تقليدياً لا يمكن تمييزه عن مواطن عادي منتشر النوع لدينا، كان بودي تغييره لكن ذلك غير ممكن، فهو معمول للأعمال الشريرة وليس الخيرة، هو جزء من اتفاق وجودي بين الله وإبليس، فكيف لي تغيير المقدر؟!

– انظري، لقد استغرق وقتاً في جزء واحدٍ، لعله يتأكد من وجود الخلايا المسرطنة الآن ليحسم صمته ويصارحكِ.

لم يفهم بأن عدم ردي عليه هو عدم رغبة في سماعه، فهم العكس، كمواطن منتشر النوع لدينا، لذلك تمادى قائلاً: لا يمكن أن تمر دموع زرعتها داعش في بلادك على خير، لابد أن تنعكس خمس سنوات من الدم والدمار وقبلها متاعب اثنين وأربعين عاماً على أي شيء فيك لتعطبه، قلبكِ مثلاً أو دمكِ أو أعصابكِ، أو حتى قدرتكِ على التفاؤل والمشي، ربما يوجد شيء في الثدي الآخر!

قاومته بخبرة اكتسبتها في الأماكن العامة مع مواطني، عندما يفتحون حديثاً مليئاً بالفضول والتطفل وإسداء النصائح!

وأيضاً بصبر اكتسبته من تصحيح إجابات الطلبة في الجامعة!

ابتسم الطبيب أخيراً قائلاً: لا يوجد شيطان (يسمون السرطان في إيطاليا شيطان) لقد فزت، القوة القوة.

آنذاك نظرت لوجه أبو مثنانة الليبي، فوجدته متجهماً حزيناً ويبحث تنفيذ الخطة “ب” مع أبو عصبانة التونسي.

قرب الطبيب كرسيه مني وتحدث معي بوجه بشوش وهو يكشط الكريم عني:

– كيف هي ليبيا الآن؟

– ليست بخير، هناك حرب وهناك مشاكل كثيرة.

– نعم، داعش أكبر المشاكل هناك، أتابع الأخبار وأسمع عنها، هل حقيقي ما يفعلونه بالنساء وفقا للدين الإسلامي؟

سأل باستغراب.

تدخل أبو مثنانة الليبي قائلاً:

– لا تقولي له شيئاً، سيستخدمه هذا الكافر ضد الإسلام، أخبريه فقط بعبارات مموهة، اقفلي عليه الطريق.

–  أجل صحيح. داعش أكثر تنظيم صريح وواضح، يستمد نفسه من النصوص الدينية، إنه لا يكذب وسر قوته أنه يهاجم ولا يدافع!

عاد وجه الطبيب للجمود وكأنه اكتشف سرطاناً خارج جسدي، رمى بالمناديل الورقية في السلة وقال:

– يا له من بؤس. إذاً أنتِ الآن في خطر من داعش، مسلمة مع مسيحي وحدكما؟!

ابتسمت لكلامه: نعم، إنهم أكثر خطورة على النساء والحياة من السرطان.

حمل الطبيب دهشته وجلس وراء مكتبه يحرر لي التقرير، فيما ارتديت ثيابي مواصلة الحديث معه. الطبيب لا ينظر لي خلال ذلك، الشيطان هو من يفعل وكأنه عمل طبيباً في أقسام الولادة بمستشفياتنا، واعتاد الجلوس في مربوعة مع أصحابه ليحدثهم عما رآه في القسم، وليذهب قسم أبقراط لثلاجة المستشفى!

وضع الطبيب الصور الإلكترونية على قرص مرن و ختم لي التقرير، ثم صافحني مودعاً بكل لطف.

– أنا سعيد بنجاة كل زبونة عندي، إنه انتصار لحياتي وعملي أيضاً. ولينصركم الله في معركتكم  الكبيرة مع داعش.

فتح الباب وتمنى لي يوماً طيباً، هنا اختفى الشيطان بناءً على أننا لم نعد رجلاً وامرأة لوحديهما، وكعصفور شق جلدي وحلق عالياً، غادرني قلبي إلى ليبيا، هناك كان مع رجال يطفئون خزانات البترول المشتعلة، رفعت ياقتي إلى ذقني، ومشيت جسداً بلا روح تحت سماء الله الغائمة، أسمع أنفاسي في ياقتي:  يا الله يا الله.

في نهاية المطاف انتصر رجال الإطفاء على رجال إشعال النيران، وانتشلوا بأرواحهم بعضاً من ليبيا التي نتشاركها، انتشلوه وهم يجهلون ما إذا كان عبدة النار سيعودون مرة أخرى لحرقه، لكنهم جاهدوا لإبقائه حياً وحسب، إيماناً بليبيا وطناً لا يموت، فيما تحدثت النشرات الأوروبية عن الجزء الذي يعنيها من الأرض المحروقة، قائلة: إن الخسائر بالمليارات!

بعد يومين عاد قلبي لي آخر المساء كما عادوا لبيوتهم المتواضعة، متعباً، مشعثاً، مغبراً، كجلمود صخر حطه السيل من علِ، وكانت دموعه سوداء، ورائحته حريق مثلهم، بعد بضعة أيام ذبحته عصابات داعش مع ثلاثة من حرس المنشآت النفطية، فواصلت حياتي هكذا، أنا والشيطان وياقتي!

*بي أمل، مقطع شعري لمحمود درويش، وما بي مرض، مطلع رائعة الشاعر رجب بوحويش عن معتقل العقيلة.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية