article comment count is: 0

نجوى بن شتوان تكتب: الشيطان يزور موسكو وليبيا أيضاً

هم أبناء حرام، لكن بلدانهم أفضل من بلداننا، وعيشهم أهنأ من عيشنا، وامتثالهم للقوانين أعلى منا بكثير. نحن أبناء الشرعية وفقاً للطريقة التي رخصها الله لاستهلال الحياة، فاتحة، عقود زواج، شهود عدل، إشهار ما بعده إشهار، حتى أن الله يتابعنا في كل المراحل الممهدة لنزول النطفة ولا يتخلى عنا إلا في تلك اللحظة التي يدير فيها وجهه حياءً كما تقول كتب التفاسير، والتي لها من الأسماء ما يتراوح ما بين الفض الغليظ المشوب بالذنب، واللطيف الحسن المحتفي بإنسانيتها.

النكاح، الباءة، الجماع، المضاجعة، ممارسة جنسية، عملية جنسية، مطارحة غرام، رغبة في التكاثر. النوم مع!

وهي ذاتها تحمل من التسميات البشعة ما يكرهها للمرء ويجعله يرجو الله في لاحق حدوثها ألا يدير وجهه لمن يحتاجون وجوده لحظة إيجادهم، وأن يكون طرفاً ثالثاً يقيناً في خلوة  تمت بموافقته.

هذا عن اسم اللحظة لدينا، أما لدى أبناء الحرام فيدعونها باختصار، ممارسة الحب. بدراية جميع الكائنات وعدم أخذ الموافقة من أحد ودون المرور بسوق الخراف وسوق الجريد وسوق البشر.

ونحن وهم بعد أن تنتجنا تلك اللحظة بنعوتها المتشعبة، نشترك في صرخة المجيء للحياة. وفي الحصول على اسم وإجراءات مواطنة، ثم نختص عنهم كمسلمين بحزمة من التطعيمات والتحصينات، نتابع بها نفس الروح التي صاحبت مجيئنا للدنيا، والتي قبل أن تمر بأسواق الحلي والألبسة والأثاث والأغنام، انطلقت من المأذون الشرعي، بغية الحصول على ترخيص مزاولة الباءة أو الحب (سمها كما تجد نفسك).

من تلك التحصينات رفع آذان الصلاة  في أذن الوليد اليمنى، ليكون صوت الحق أول شيء يسمعه في المستهل، ثم يعقق بعد ذلك بذبيحة ثم يختن ثم يلتزم الأب بدفع زكاة الفطر وأضحية العيد عنه، وتتوالى التعاليم حتى يعلم الصلاة لسبع ويضرب لتسع، وهكذا يمضي الحال ما بين تعليم وضرب حتى مرحلة خلع سن العقل..

إذن الشيطان طيلة حياتنا محاصر من جميع الجهات، لا ينمو ولا يكبر معنا، ومن المنطقي أن تكون ملاعبه كاسدة جراء تلك الحزمة من التأمينات.

لكن!!

لماذا مخرجاتنا إلى الحياة والمجتمع، تتناقض تماماً مع المدخلات الذاكية؟!

لصوص لا يشق لهم غبار، لاعقو أحذية، انتهازيون، مشاؤون بالنميمة، ظلمة، مستأسدون على الضعاف، غنائميون بلا حدود، كذابون وشهود زور، مخربون لكل ما يطلق عليه أملاك عامة يتشاركونها مع الآخرين وغير ذلك كثير.

هذا في حياتنا العادية، أما في الحرب فالفرصة غدت أكبر وأكثر رحابة لكي تتوسع هذه الصفات وتنقسم انقساماً ذرياً.

تكبير وتهليل لله عند القتل، شرعيون يقتلون شرعيين مثلهم، ويلتقطون الصور مع جثثهم، ويلقون عليهم خطباً تبشرهم بالنار وتنزلهم أقسى محطاتها!!

شرعيون يذبحون ويصلبون، حتى غدت قرى بأكملها إمارات متخلفة بحجة نشر الإسلام، وكأن المنتشر من قبل كان بروفة على الدين وليس هو الدين!

عصابات من أبناء الحلال تبيع البشر وتملأ بجثثهم البحر وتؤسس بهم بنيانها على اليابسة.

عصابات من أبناء الحلال  تهرب النفط والوقود بكل الطرق، بعضهم جالونات، بعضهم سفن، بعضهم عقود، بعضهم إغلاق موانئ وحقول، وبعضهم فتح وبعضهم حرق.

عصابات من أبناء الحلال تخصصهم جلب أدوية وأطعمة ومواد فاسدة، عصابات من أبناء الحلال تخصصهم  تهريب الثروات الطبيعية حيوانات، أسماك، طيور الخ، عصابات من أبناء الحلال تخصصهم تهريب آثار وعملة، عصابات من أبناء الحلال تخصصهم استخراج اعتمادات بنكية بالعملة الصعبة وتوريد حاويات رمل وحصى وكراتين فارغة. عصابات من أبناء الحلال تخصصهم استثمارات ليبيا في الخارج، عصابات من أبناء الحلال تخصصهم المناصب والسفارات والبعثات، عصابات من أبناء الحلال تخصصهم بيع تاريخ ليبيا وأرشيفها، عصابات من أبناء الحلال تخصصهم الصمت عن كلمة الحق.

وجميع أولئك فروع داعش في الأرض، ما يجمعهم هو أنهم  أبناء عقود شرعية، إشهار، آذان في الآذان، عقيقة، ختان، وتكفيخ لسبع وكسر رقبة لتسع، إضافةً للجنسية الليبية الموقرة.

فكيف تمكن الشيطان منا وأين هي فاعلية تحصيناتنا السابقة التي زامنت مجيئنا للحياة؟ لماذا نحن هكذا إذا كانت شرعية الله القوي تحفنا من آبائنا وأجدادنا وتتصدر قدومنا للدنيا، لماذا النتائج عكسية؟

لماذا لدينا دين نطالب الآخرين به وليس لدينا أخلاق؟

قال لي شيطاني الرحيم: “هل تسمحين لي أن أوسوس لهم بأن الأديان ليست هي المصدر الوحيد للأخلاق وتقويم السلوك، حتى لو جعلتم الدين أساساً لأي دستور وكتبتم الدستور بجوار الكعبة وأخذتم الكعبة معكم إلي ليبيا؟”

جربوا اعتناق تجارب تقويم سلوك جربتها أمم من قبلكم، فعلوا منظومة العقوبات المادية والقوانين، كونوا صارمين بلا استثناءات، حاصروا الفساد حتى تتقلص خليته وتستطيعوا إبقاءها تحت سيطرتكم. الفساد والأخلاق السيئة لم تنته من العالم لا بإرسال الرسل ولا بزيادة عدد المدارس ولا بحفظ القرآن ولا تعاويذ بوذا ولا بعلمنة العالم وتخليصه من الأديان، بل تتحدد بتضييق دوائرها وحصرها بالقوانين، لتحيا كخلية المرض المعزولة، كفوا عن التطرف حتى في الإصلاح، وفعلوا العقاب بدفع الغرامات، سيتربى المعوج حين يدرك أنه يخسر(عمله، جنسيته، حقوقه المدنية، ملكيته…) وليس بزيادة عدد السجون والاحتفال بقص الأشرطة كلما افتتحتم سجناً جديداً، ذلك من عجيب ما رأيتكم تفعلونه!

و لا تبحثوا في كف المسيء عن أفعال السوء، أكان مصدره الخوف من الله أم القانون أم ممارسة يوغا أم وصية والدين، ذلك لن يجديكم الخوض فيه شيئاً، مثل الذين يسرقون ليبيا باسم الوطنية حاضراً وماضياً، ماذا صنع لكم الخوض في وطنيتهم، أما كان أجدى أن تتركوا لهم الوطنية يتغنون بها وتنزعوا عنهم الجنسية الليبية مقابل ما نهبوه من ليبيا، فتقطعوا ما بينهم وبينها إلى أبد الأبدين؟

عليكم التوقف عن البحث الدائم عن نخبة أو قائد يقودكم، تحرروا من هذه العقدة، اعتمدوا التخطيط والتجارب الناجحة للأمم بديلاً، اخرجوا من زمن التنظير والكلام وسرجوا خيلكم إلى الميدان.

قلت له: “نعم أسمح لك ولغيرك من الشياطين أن يجهروا بذلك، اذهب وجرب، لكن لن أقبل بك شيطاناً رحيماً بي إذا كنت ستعود و تملأ بصراخك الشارع:

– فقدان، فقدان، الليلة فقدان.

إنهم يستطيعون إيصالك إلى ذلك الحد من الفقدان فلا تستهن بقدراتهم. حذار!”.

فغرت عيناه خوفاً من عاقبة الذهاب، انطرح أرضاً كالنطع الجديد في شمس حمئة، تمدد حتى ابتعد أقصاه من أقصاه، فاستلقيت عليه وحلمت.

الفرق بين الحلم بليبيا حديثة وتحويله إلى حقيقة، مسافات من التخطيط والعمل والمثابرة وتغيير السلوك والاستفادة من الأخطاء، إذا كنت فرداً أم بلداً، أيها الشيطان الذي يقاسمني نفس الترخيص الشرعي  للمجيء إلى الدنيا، لكنه كما بينت التجربة، ترخيص لا تتعدى صلاحيته غرف النوم، ولا يمكن الاعتماد عليه لضبط وإدارة بلاد جُنتْ وهي من قبل صماء!

 

الشيطان يزور موسكو، رواية للكاتب الروسي ميخائيل بولغاكوف

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية