article comment count is: 0

شكري الميدي يكتب: أطفال ليبيون على جبهات القتال

من بلدة تازر -الكفرة جنوب شرق ليبيا- بعد أشهر من الحصار المحكم للأحياء السكنية التي يقطنها التبو، جاءنا طفل مع أهله زائراً. كان في التاسعة حين رأى جيراننا في بنغازي -المتحدثين بالعربية التي لا يتعلمها الطفل التباوي إلا في المدرسة غالباً- غضب بشكل مؤثر متسائلاً عن الأسباب التي تجعلنا نجلس مع من يقتلوننا. عبثاً حاولنا أن نشرح له بأن هؤلاء غير أولئك الذين يحاربوننا.

كان يستيقظ كل صباح -طوال فترة بقائه معنا- ليجمع أكداس الحجارة ثم يقذف بها كل واحد من أعدائه المفترضين الذين يعبرون الشارع بسلاحه الوحيد الممكن. توجب علينا مراقبته دوماً. مشاهد محزنة أثرتْ في كل الجيران.

طفل آخر يتوعد في مقطع فيديو من قلب أحياء التبو قناصاً كان قتل أحد رفاقه، من حديثه للقناص يُدرك المرء بأنه كان يتحداه يومياً بإظهار نفسه له، في لعبة أشبه بالروليت الروسي ثم أكد قائلاً بأن القناص بات يعرفه جيداً. هكذا يتم بناء المستقبل من أجل هدف واحد: الحرب!

قصص عشتها مؤخراً جعلتني أتذكر جملة رهيبة كنتُ قرأتها خلال سنوات ما قبل 2011 تقول الجملة: “كل أنواع القصص عن الحرب كانتْ تُروى، مما جعلها تبدو وكأنها تحدث بعيداً، في أرض أخرى. ولم نبدأ في رؤية أنها تحدث فعلاً في بلادنا حتى بدأ اللاجئون يمرون في بلدتنا”. بهذه الجملة يفتتح إشمائيل بيه، الكاتب السيراليوني سيرته التي رواها حين بلغ السادسة والعشرين، نشرتْ بعنوان: “الطريق الطويل: مذكرات صبي مجند“.

تروي أحداثاً فظيعة تعرض لها خلال فترة عنف مرتْ بها سيراليون خلال منتصف التسعينيات من القرن الماضي. مثلنا جميعاً لم يكن -اشمائيل بيه- يُدرك بأن بلاده كانت تستعد لدخول حرب أهلية طويلة، كان محباً للغناء والرقص، يتنقل بحماس بين الغابات المحيطة ببلدته، مستعرضاً مهاراته الفنية والجسدية. كان يحفظ كلمات أغاني الريقي والراب، حين شاهد النازحين من البلدات المجاورة وهم يعبرون بلدتهم رافضين عروض الاستضافة من الكبار، مبررين ذلك بأن الحرب بلا شك ستصل قريباً إلى البلدة. وهو ما لم يصدقه أحد تقريباً.

خلال إحدى الصباحات هجم عليهم المتمردون، ثم ذبحوا الجميع فهام على وجهه طويلاً حتى تم ضمه إلى إحدى المليشيات التابعة للحكومة. خلال أربع سنوات -سن الثانية عشرة حتى السادسة عشرة- وجد نفسه مقاتلاً شرساً، لا يقل عدوانية عن المتمردين. تم تدريبه مع مجموعات أخرى من الأطفال، يتنقلون بين القرى، يقتلون لأجل الطعام ثم يأكلون ما غنموه جالسين على جثث القتلى. ضمن كتابه يشرح كيف حدث كل هذا الجنون. قراءة بسيطة للكتاب يُدرك بعدها المرء بأنه لا أحد محصن ضد هذه الفظاعات. وهو ما يحاول الكاتب شرحه بوضوح بما أنه أصبح عضواً في اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان، قسم مراقبة حقوق الأطفال.

لم أكن أتوقع في أي يوم بأنني سأشاهد أطفالاً يقاتلون في الجبهات ضمن الأحياء الليبية، حين قرأت الكتاب لأول مرة قبل الثورة. كان الليبيون يهربون من الأظرف الفارغة لرصاص، ومجرد شائعة بحيازة سلاح قد ترسل أحدهم وراء الشمس. كنتُ قرأت الكتاب تماماً كما كنت أشاهد أحد أفلام رامبو. ربما شعرتُ برعشة طفيفة حين أشار الكاتب بأنه أيضاً كان يتابع أفلام رامبو ولم يتوقع في أي يوم أن يجد نفسه ضمن أي قتال. الأمن في حياة البشر مجرد مرحلة يمرون بها كالحروب تماماً.

قبل مدة بسيطة شاهدتُ مقاطع فيديو لأطفال ليبيين أحدهم لم يكن يتعدى العاشرة في جبهة قتال فعلية بكامل اللباس العسكري، يرمي من سلاح كلاشينكوف معصب الرأس، وآخر يتم تدريبه كيفية الرمي بالقاذف الآر بي جي أمام الأبيض المتوسط، فيما الثالث أُعدم ميدانياً بلا رحمة. كما أصبح الأطفال مولعون بمشاهدة هذه الافلام المصورة بالأجهزة المحمولة، مبتهجين بها ومتلهفين لحمل السلاح من أجل تحقيق ما أصبح فعلياً حلماً بالنسبة إليهم. الحلم الذي سرعان ما سيغدو واقعاً مقيتاً- إن لم يتوقف هذا الجنون – ليتطور إلى مرض مستعصي، لا يمكن الخلاص منه بسهولة.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية