فصام اجتماعي كبير بين ما يدعو له المجتمع وما يمارسه على أرض الواقع - Huna Libya
هل وجد المجتمع الليبيّ لحظته الحرجة؟ article comment count is: 0

الحالة الحرجة للمدعو (مجتمع) … ماذا يريد الليبيون؟

في ديسمبر 1955م ركبت روزا باركس حافلتها المتجهة من مونتغمري -الاباما، إلى كليفلاند –اوهايو، وأثناء جلوسها في المقاعد المخصّصة لـ “الملوّنين” بحسب ما ينص عليه القانون وقتها، ركب مجموعة من البيض، وحين لم يجدوا مقاعد شاغرة، طلب سائق الحافلة من روزا وآخرين من السود التنازل عن مقاعدهم لصالح هؤلاء البيض. رفضت روزا بشِدّة، وتطوّر الأمر إلى اقتيادها إلى مركز الشرطة ومحاكمتها، والحكم عليها بدفع غرامة؛ نظرا لتكديرها للأمن العام.

الحادثة كانت نقطة ملهمة لحركة الحقوق المدنية بأمريكا، نجم عنها حركة مقاطعة ضخمة للنقل العام، وخسارة فادحة لشركات النقل، حتى أصدرت الحكومة قرارها بعدم قانونيّة هذه التفرقة العنصرية في الحق في الجلوس.

قبل هذا التاريخ وبعده، كانت هناك نضالات عِدة خاضها الأمريكيّون الأفارقة ومن اقتنع بأفكارهم من البيض، وأثناء كلّ ذلك وفي كلتا الضفتين، كان هناك أصحاب مواقف صلبة يعلنونها بصراحة يجابهون بها الناس ويرد عليهم الآخرون، هذه المُجابهة اتّسمت بالسلمية أحيانا وبالعنف أحيانا أخرى، لكنها بالنهاية أفرزت لنا أمريكا اليوم. لدينا هنا ثلاثة تواريخ فارقة ونوعية:

  • سنة 1860م انتهت الحرب الأهليّة الأمريكيّة، وأسفرت عن إلغاء العبودية، وإعطاء الجنسيّة للأفارقة الأمريكيين.
  • سنة 1964م صدر قانون الحقوق المدنيّة، الذي نصّ على حظر التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو الأصل القومي.
  • سنة 2009م أصبح باراك أوباما؛ أوّل رئيس من أصول إفريقية يصل إلى البيت الأبيض.

تخيل الآن واقعا بديلا، مشكلة ما كـ(حادثة روزا باركس) هنا، تتم معالجتها بتأكيد لفظيّ بلاغيّ على السّلام والأخوّة الجامعة لأبناء الأمة الأمريكية، خطاب سِنتمنتالي (عاطفيّ) يقمع أيّ رغبة لأمريكيّ أبيض بإعلان عنصريته ومناقشتها على الملأ، ويقمع أيّ رغبةٍ لأمريكي إفريقي بإعلان ثورته والمطالبة بحقوقه على الملأ ! ويتم تأجيل المشكلة إلى أجل مفتوح.

المجتمعات في تطوّر دائم (التغير الاجتماعي) وتحوّل مستمرّ من صورة إلى أخرى عبر عمليات اجتماعية متعددة، في الثقافة والدين واللغة وأنماط الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية

مجموعة من الأشخاص على هيئة ظلال، يحملون لافتات سوداء غير مكتوب عليها أي شيء

خفّف السرعة أمامك “منعطف اجتماعي”

أحد أكبر ظواهر المجتمعات البشرية أهمية وتأثيرا هو “التغير الاجتماعي” وهو: حالة التطوّر الدائم للمجتمع، وتحوّله من صورة إلى أخرى عبر عمليات اجتماعية متعددة، في الثقافة والدين واللغة وأنماط الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية .. الخ، التغير الاجتماعي هو الدافع الأكبر لمسيرة الحضارة من مجتمعات الصيد والالتقاط، والعلاقات الاجتماعية في حدودها الدنيا، إلى مجتمعات ما بعد صناعية وما بعد معولمة.

الجدل هو ما يحفز عملية التغير الاجتماعي عملية ميلاد الأفكار ويحسّنها ويصنع الرأي العام لها، إلى أن تصبح أساسا جديدا للمجتمع وطورا من أطواره، ولكي يكون هناك جدل يجب أن يكون هناك متجادلون، أشخاصٌ أصحاب أفكار صلبة يروجون لها ويدافعون عنها.

أفكار معلّبة ومُمارسة خالية من المواد الحافظة

في برنامج صباح الخير أول جماهيرية، وفي فقرة الأطفال في كلّ حلقة، كانت هناك طفلة تجري مقابلات مع أطفال أصغر منها سِنّا، وكانت تسألهم في كلّ مرة أسئلة ثلاثا: ما اسمك؟ وفي أي صف تدرس؟ وما هي هوايتك؟. تختلف الإجابة عن السؤالين الأولّ والثاني من واحد إلى آخر، إلا أنّ الإجابة الحصريّة عن السؤال الثالث كانت هي القراءة. قد يتلعثم بعضهم قبل الإجابة، فتأتيه الإعانة من الخلف همسا: القراءة. إجابة نمطية على سؤال نمطي، كل طفلٍ يجب أن تكون لديه هواية، وكل هواية يجب ألا تكون إلا القراءة. في الواقع لا أحد يتوقّع من هذا الطفل أن يقرأ لدى رجوعه للبيت، ولا الطفل يتوقع هذا من نفسه، ولكنّه فقط قالب لفظي، خطاب وجواب يلقى بشكل روبوتي لا أكثر.

نتبادل نحن الليبيّين كليشيهات شبيهة في قضايا أكثر أهمية كالموقف من التطرّف، والاحتكام إلى القانون، والسّلم الاجتماعي، والحريات .. الخ، هناك مثلا تأكيدٌ عامٌ متكرّرٌ على نبذ التطرّف والتأكيد على ثقافة التسامح، بل وإلصاق هذا الصفة بشكل تاريخي بالهُوية الليبية، التي لطالما كانت مؤسسة على التسامح، في مذاهبها الدينية وفي تنوّعها الإثني وفي نمطها الاجتماعي والقيمي!

هذا التنظير العام لمركزيّة قيم التسامح، وجذوره الدينية والاجتماعية في المجتمع، لا يتناغم مع الممارسة الفِعلية لهذا المجتمع أمام كلّ قضية على حِدة، حينها يكون التطرّف سيّد الموقف، ويتمّ التأكيد على الخطوط الحمراء، وثوابت الهُوية، وقيم المجتمع، التي تتفاجأ أنها لا ترحّب بالتسامح عكس ما كان يتم التنظير له دوما.

السلم الاجتماعي هو شيءٌ آخر يتم التأكيد عليه مرارا وتكرارا، يجأر الشعب بضيقه من هؤلاء المتنازعين على السلطة من: السّاسة وأمراء الحرب ورجال الدين والفاعلين الاجتماعيين، المتاجرين بحاجات الناس وآلامهم وآمالهم، ويتمنون لو ينتهي هذا الصراع بأي شكل، وينتهي معه نزيف الدم، والشتات، وتردي الأوضاع الاقتصادية؛ لكن هذا الشعب في كلّ مشكلة، هم وقود الحرب ومؤجّجها وآلتها، وهم لا يخفون تأييدهم الصريح لأحد أطراف الصراع على السلطة –بحجّة أو بأخرى- ورغبتهم الشديدة في اقتلاع جذر الآخر وتدميره، والتضحية في سبيل ذلك بكل شيء.

إذا ما تتبّعت القيم الإيجابية الأخرى التي يتم التنظير لها بتكرار نمطي، سوف تجد هذه المفارقة الغريبة، وهي حجم التناقض بين ما يتم التنظير له والتأكيد عليه عموما، وبين ما تتم ممارسته والتأكيد عليه في كل قضية بمفردها.

محلات لبيع الردود الجاهزة

هناك قوالبٌ لا حصر لها من الأفكار النمطيّة والشّعارات المعلّبة والردود الجاهزة التي يقولها المرء دون أن يعنيها، وهناك عالم آخر من القناعات العملية الحقيقية الصادقة، التي لا تظهر في العام والسطحي والتنظيري.

مجتمعنا يعيش حالة غريبة من فصام نفسي كبير، خطان متوازيان: من القناعات المعلّبة المثاليّة والقناعات الحقيقية الفاسدة.

وعند أيّ محاولة جادّة لنقد القناعات الحقيقية، يحتال المجتمع للهروب من المواجهة، عن طريق تبنّي كلام الناقد نفسه، عبر ترديده لسيل من القناعات المعلّبة التي يحفظها عن ظهر قلب، نحو: (الدم الليبي كله حرام، الإسلام بريء من هذا.. ) يتداول المجتمع بكثافة، حالة عامّة من القيم النبيلة، التي يزعم الجميع موافقته عليها، ولا يقوم بمعارضتها أحد. حينها تنتهي مهمة الناقد! لأن المجتمع يبدو أنه قد قبل كلّ أفكاره، فلا وجود لحالة جدل هنا، لا نقاش عام، لا اعتراض من أيّ وجه. ليعود المجتمع إثرها مجدّدا لممارسة واقعه الرديء من القيم الفاسدة، واستمراء واقعه البائس المُستعصي على الحلّ.

مجموعة من الأشخاص على هيئة ظلال، ومن مختلف الشرائح والأعمار - التغير الاجتماعي

يحدث هذا الأمر بنفس الطريقة التي يحدث بها مع المُدرّس الذي يُحاول أن يشرح مسألة صعبة لتلاميذه. يتوقّع منهم استشكالا، رفضا، نقاشا ما، لكنّهم يكتفون بالصمت، وبهزّ رؤوسهم واستعارة ملامح بلهاء. حينها يتأكد المدرس أن أحدهم لم يفهم شيئا.

إنّ هذه المُراعاة الذوقية الشكلانية لقيم مرفوضة في الواقع العملي ولا يتم العمل بها اجتماعيا، هي مضرة بشكل فادح للمجتمع، ومن صالح المجتمع أن يعلن أصحاب المواقف المتطرّفة والرجعية وغير الأخلاقية فيه عن آرائهم، أن يدافعوا عنها ويتبنّوها بشكلها الحقيقي والصريح دون مُواربة، ومن ثم يُفتح الباب أمام نقاشٍ اجتماعيّ جادّ حول هذه الأمور، لعله يُسفر بشكل ما عن إصلاحٍ مجتمعيّ حقيقيّ، وحينها لو وصلنا معهم إلى منتصف الطريق، فسنكون قد حققنا إنجازا، بدلا من تبادل الكليشيهات الأخلاقية حول: السّلام. والتنمية، والديمقراطية، والتعدّدية، وحقوق الإنسان .. دون أن يقتنع بذلك أحد.

إذا ما الجُرح رُمّ على فسادِ *** تبيّن فيه إهمال الطبيب

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (0)

  1. ابدااااااااااع والله ابداع وصف بليغ لوضع المجتمع الليبي وشامل لكل المواصفات من الاخر يعتبر بياااان مفصل لوضع المجتمع الليبي

    1. سيد محمد تحية طيبة
      سأرد بالنيابة عن صاحب المقالة لو سمحت لي ، هذا ليس تنظير هذا تحليل ووصف للحالة وهكذا العالم مبني على دراسات وتحليلات وهناك جهات أخرى هي من عليها أن تأخذ هذا الكلام بعين الاعتبار وتتخذ الإجراءات اللازمة للتنفيذ فيدا واحدة لا تصفق وكل شى له طرفان أو بداية ونهاية ، فهم شخصوا لك الداء وقالوا لك هنا ممكن الداء والعلاج يكون هكذا وانت حر تتبع الوصفة أو ترفض
      فهذا يا عزيزي ليس تنظير بل وصفا للوقع محتاج إرادة صادقة واعية التى للأسف نفتقدها.

  2. السلام عليكم
    أحسنت الوصف والتوصيف ، لعل من أهم ما ذكرت هي حالة الانفصال فى الشخصية فعلا هذا داء مستشري يحتاج لعلاج ، كيف لنا أن نجد العلاج فى ظل تشرذم وتمزق وتشتت فى المفاهيم ونفاق فى المشاعر ، تقل لي كيف نفاق في المشاعر أقل لك تجد الواحد فينا يعرف أن هذا الشئ غلط لا أريد أن أقول حرام لأننا أمة أصبحنا نقدس العيب والغلط على الحرام ، هذا بينه وبين نفسه وتجده يحدث به أبناءه أو من يلاقيه وعندما تأتيه فرصة فعل هذا الشئ يفعله دون خجل ولا حتى مبالا ، هناك حكمة أعجبتني وهي؛
    ذهب شاب إلى شيخ وقال له هناك ذئبان بداخلي يتصارعان أحدهم للخير والاخر للشر سينتصر فمن سينتصر فقال له سينتصر الذي تغذيه أو تطعمه ، فهكذا هي الحياة نحن بحاجة إلى أن نغذي ما بداخلنا من خير حتى نستطيع أن نرقى بمجتمعنا.
    لكم مني اجمل التحايا موضوع شيق وعنوان ممتاز بالتوفيق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية