الكاتب الليبي الصادق النيهوم
article comment count is: 0

وفاء البوعيسي تكتب: الولادة بعد الموت

الفيلسوفان فردريك نيتشه الألماني وباروخ سبينوزا الهولندي، وعالما الفلك نيكولاوس كوبرنيكوس البولندي وجالليو الإيطالي، والنسويات المناضلات الفيلسوفة هيباتيا السكندرية وسيمون دي بفوار الفرنسية، والرسام فينسنت فان خوخ الهولندي، والفلاسفة المسلمون الثلاثة ابن رشد وبن إسحاق الكندي وأبو بكر الرازي والمفكران طه حسين المصري والصادق النيهوم الليبي وغيرهم الكثير.

إن كان ثمة شيء واحد فقط قد جمع بين هؤلاء الذين لم يلتقوا عبر التاريخ والجغرافيا حين حالت بينهم قرونٌ من الزمان وقارات ومحيطات فهو أنهم لم ينالوا الشهرة ويُحتفى بهم ويتهافت كثيرون على أعمالهم وقراءة سيرهم إلا بعد وفاتهم .

لقد امتلك هؤلاء جميعاً فضيلة المواجهة بالأفكار التي تُزعج شعوبهم المستقيلة من مهمة التفكير وعكروا صفو المسلمات الروحية والعقلية في مجتمعاتهم وأزعجوا مؤسساتهم الدينية والسياسية وحتى الثقافية، كما امتلكوا إرادة بعث الحركة في الغدران الراكدة بالأفكار النمطية الآسنة لشعوب كل شيء في حياتها ملفق، فخسروا حياتهم أو عاشوها في مرارة وازدراء وتشنيع لا يُحتمل، حتى انتحر بعضهم أو سقط فريسةً للأمراض النفسية والعزلة الاجتماعية.

نحن بحاجة ماسة اليوم لفهم لماذا اندفعت كل الشعوب في معاداة مثقفيها، ثم لماذا اندفعت في تكريمهم بعد ذلك.

لا شك أن لكل مجتمع مهما كان تطوره أو تخلفه وعلى الدوام سُلّماً من القيم مرتبةً ترتيباً صارماً من الأعلى للأدنى، على قمة ذلك السلم يأتي المقدس (الله، الإيمان، الوطن) ثم حزمة معقدة من العادات والتقاليد الصارمة التي تضبط سلوك المرأة بالذات، ثم الأفكار الاجتماعية التي تحفظ العائلة والتماسك الأهلي، وتبعاً لهذه القيم تبرز المصلحة في صيانة المقدس والتحفظ على المرأة واستنكار التمرد الاجتماعي أو الاستقلال والانفصال الشعبي، والشعوب عادةً ما تنزع إلى ضبط أفعالها وفقاً لسلم القيم ذاك وتتوقع من كل فرد داخل الجماعة أن يوفّق بين تطلعاته وسلوكاته وبين ذلك السلّم بتراتبيته الصارمة، لهذا تتّبع الشعوب في المجمل أسلوب

الإذعان التام لهذه القيم بوصفها إرثاً مكتسباً ورأسمالاً رمزياً لا ينبغي التفريط به، وهي على يقين جازم بأنها لم تنتقل من جيلٍ إلى جيل حتى وصلت إليها إلا لكونها قيماً مجربةً من قبل الأسلاف لهذا فهي قيمٌ ساميةٌ وصحيحةٌ ونافعةٌ وضروريةٌ لاستقرارها وراحتها، وعلى العكس من ذلك ترى تلك الشعوب في كل قيمة جديدة يُدخلها أحد الأفراد على هذا السُلّم أو معارضةً وتشكيكاً منه بقيمة موجودة عدواناً على المجتمع واستقراره بوصفها قيماً مستجدةً لم تخضع للتجريب بعد ولا لاختبار الصلاحية.

لقد حورب نيتشه وسبينوزا والكندي والرازي وابن رشد لأنهم قدموا رؤيتهم المختلفة للدين – كلاً على طريقته – بالمخالفة للنظرة المقترحة له منذ قرون، وقُتل جالليلو لأنه رفض الفكرة السائدة حول مركزية كوكب الأرض، أما هيباتيا فقد قضى عليها تحديها للرجال بشأن حقوق المرأة بوقت مبكر جداً كان يُنظر فيه إليها كحيوان متعة للرجال، كما أُسيء بضراوة لدي بوفوار وتاريخها الشخصي حتى من النساء اللاتي كرست حياتها للدفاع عنهن بسبب تحديها للذكورية الطاغية ببلدها، وأُهملت أعمال فان خوخ الانطباعية وتم تجاهل إبداعه لأنه خالف المدرسة الكلاسيكية السائدة وقتها بالفن، أما النيهوم فقد حل ببلدٍ كان يشتكي جدباً موحشاً في الكتابات الدينية المتطاولة على الفقهاء وتحميلهم مسؤولية تخلف المجتمعات العربية.

إن الشعوب تتعلق كثيراً بما تألفه وما درجت عليه وترى فيه حكمة حياة، وتجعل من السائد والثابت والمعتاد عليه مسار حياة لا حيدة عنه وترفض بشدة المخاطرة بتجرية الجديد لخشيتها من أن تخسر ما تعرفه لصالح ما لا تعرفه، ولو كان ما عرفته واعتادت عليه طوال قرون هو في الحقيقة مصدر تخلفها وشقائها، بل إنها قد ترى في شقائها عزاءً لها لتتحمل أكثر في سبيله.

وما جاءت به كل الشخصيات المذكورة أعلاه كان فهماً ثورياً وجديداً في النظرة للمقدس وللمرأة وللأفكار العقلية والعلمية والجمالية السائدة حول الكون والفن والطبيعة، كلهم بطريقة أو بأخرى جاءوا وفؤوسهم في أيديهم لضرب القناعات الثابتة والأفكار المسبقة ولهدم الأوثان الفنية والثقافية والدينية بغرض جلب العقلانية والتحليل الملتزم بالموضوعية والحياد لشعوبهم، لكنها كانت فؤوساً مُسالمةً على شكل أقلام حبر وفراشي ألوان زيتية أو مائية ومناظير لرؤية الفلك لا

تُسيل دمعاً ولا تهُرق دماً ولا تتسبب في كدمات من أي نوع، لكن الشعوب التي درجت على تحمل السوط على ظهرها والسيف يحز عنقها والرصاص يخترق صدرها لأجل القيم والمصالح التي ورثوها عن أسلافهم جعلتهم في الحقيقة يصرخون متألمين من وقع استعمال تلك الفؤوس في واقعهم المتخلف، أما حين تتبدل الظروف بتلك الشعوب ويصير الحال غير الحال وتنضج الشروط التاريخية التي تغيّر من واقعهم إلى ما دعى إليه هؤلاء الذين كتبوا لهم عن المستقبل فإنهم سيستدعونهم للعيش بينهم من جديد، سيمنحونهم الحياة بعد أن أخذوها منهم، سيمنحونهم تبجيلاً لا يصدق، ستتصدر وجوه بعضهم طوابع بريدية تُطبع خصيصاً لهم، أو تُدرّس كتبهم في الجامعات وتعتذر لهم المجاميع الدينية، وتُشَيد لهم التماثيل في عددٍ من العواصم، ستُطلق أسمائهم على الشوارع والجامعات العلمية والجمعيات الحقوقية، وتُخصص لهم أقساماً جامعية لدراسة فلسفاتهم وأفكارهم، وستندفع تلك الشعوب بقوة لتخليد سيرتهم ومؤلفاتهم وستقدر أعمالهم الفنية بعشرات الملايين، كنوع من الندم عما ألحقته بهم والاعتذار لهم عن قرون التجاهل والازدراء والعداء، بل وسيرتد عداء الشعوب على كل من يفكر في انتقاد أحد تلك الأسماء أو التعليق سلباً على أعمالها، فلا أحد اليوم بالكاد يمكنه أن يشير إلى الثغرات الأخلاقية الخطيرة في فلسفة نيتشه حول المرأة واليهود والمعوقين، وأن النيهوم لم يكن يهتم بالأمانة العلمية في مقالاته كما أنه كاتبٌ تقليدي ترك الدين وتعلق بتفاسيره، وأن طه حسين قد صار كاتباً للأزهر بنهاية حياته أو أن لوحات فان خوخ متشابهة كثيراً في مواضيعها رغم ثوريتها دون أن يتعرض للتسفيه الشديد والازدراء والرمي بالغباء وأن هؤلاء ذخر فكري لمجتمعاتهم وثروة وطنية وقامات سامقة لا يجوز التطاول عليها.

وهكذا تدور الشعوب في دولاب عبادة الأسلاف من جديد وتقديس المألوف والمعتاد عليه من جديد… إنها سيرة تيه لولبية لا تتوقف.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية