كلّنا ضحايا عنف، سالم ليس وحده. وتعدّدت أنواع العنف في ليبيا وأسبابه. فهل من مُعين؟ - Huna Libya
عن سالم الذي لم يسلم من العنف article comment count is: 0

قصّة سالم، ضحيّة عنف في ليبيا

عند الحديث عن ثقافة العنف في ليبيا محاولة لتفكيكها؛ فإنّنا نتحدّث عن طيفٍ واسع من ممارسات التعنيف، خصوصا بعد عام 2011 والذي فجّر معه موجة واسعة من أنماط وممارسات متعدّدة للعنف. في هذا المقال سنحكي قصّة العنف في ثقافتنا وممارساتنا من خلال تسليط الضوء على قصّة “سالم” الذي لم يسلم من العنف، وختم حياته ضحيّة العنف.

شاب جالس بالقرب من النافذة، مطأطئا رأسه، مقرفصا، يظهر في موقف كآبة - العنف في ليبيا

سالم يبحث عن سلامته المفقودة

سالم” عانى الاضطهاد والعنف منذ صغره، ففي نعومة أظفاره بالمرحلة الابتدائية، كانت معلّمته – التي بدورها تعاني مشاكل اجتماعيّة – تعنّفه لفظياً وجسدياً، وتصبّ عليه جام غضبها، وتسلّط شتائمها ويدها التي توازي وزنه، فيصبح جسدُه ناصعُ البياض مليئا بالازرقاق، فيعود إلى بيته منهمكا متعبا جرّاء المُصارعة الحرّة التي مورست عليه في المدرسة. العنف المدرسيّ ملفٌ مُهمَل، وجريمة نكراء، ولكن للأسف، لا يستهجنها الناس، ويتغاضى عنها القانون، وتبرّرها الوسيلة التعليميّة.

عند عودة “سالم” إلى البيت تستلمه أمّه من أذنه الصغيرة، ولا تناديه إلا بأبشع الأسماء وأكثرها وقعاً على شخصيّته المنكسرة، ووالده – الذي يُعاني هو كذلك من اضطهاد مديره، يأخذه بيده إلى الكُتّاب (مركز تحفيظ القرآن) فيقوم شيخه بتعنيفه وضربه مبرّحا على أبسط الأخطاء ويعلّق رجليه الصغيرتين على الخشب (الفلقة). يعود “سالم” إلى مكانه يحبو وتتساقط دموع مقلته البريئة لتشكّل خطاً على الارض، لتشهد أن هناك طفلا مضطهدا مرّ من هنا.

عند وصول “سالم” إلى المرحلة الإعدادية وحصوله على الأوسمة التي تغطي جسده من التعنيف المدرسي والأسري، تبدأ رحلة جديدة من العنف ألا وهي (التنمّر) فيقوم زملاؤه بالتنمّر عليه وأخذ ما بحوزته، فيعود إلى بيته فارغ الحقيبة والبطن.

ترك “سالم” الدراسة ليقين في عقله الباطن بأنه لا ينتمي إليها، بسبب ما رسّخه فيه الناس من حوله، ليعمل بسوق الخضار، بعد أن تفكّكت أسرته بزواج أبيه بعد أن فارق أمّه، والتي بدورها تزوّجت رجلا آخر، ليجد “سالم” نفسه وحيداً في مجتمع لا يعرف الرحمة.

سالم الآن لم يسلم منه أحد، فهو قائد ميليشيا تمتهن الخطف والتعذيب، فلا يعرف شيئا عن حرقة الوالدين ممّن خطفهم أو عذّبهم، ولا يعرف من علّمني حرفاً صرت له ممتنّا، لأنّه وبكل بساطة من لم يذق لا يعرف.

شخص يقوم بضرب شخص آخر ومحاولة تعنيفه

آلة العنف: ضحايا ومجرمون

إن العنف في مجتمعنا أصبح آلة يستخدمها الناس، كلٌّ حسب مركزه أو وضعه، وقد تعدّدت أنواعه بحيث نكاد نراه بشكل شبه يومي في ليبيا، ومن بينها:

العنف الجسدي : وهو أكثر أنواع العنف وضوحاً في ليبيا، وذلك لوطأة الحروب المتتالية وما نراه في الأخبار وعلى مواقع للتواصل الاجتماعي، من تهديم للبيوت، وقتل للأسرى أو تعذيبهم، وإعدامٍ للجرحى وهُم فوق أسرّة المستشفيات. فهذا النوع من العنف يطغى على كلّ الأنواع التالية، وأكثرها وقعاً على نفسية المجتمع.

العنف اللفظي : وهو العُنف الذي يستعمله أصحاب المصالح ضدّ من يطرقون بابهم من أجل أبسط حقوقهم، فلا يمكن أن تقف في طابور المصرف أو في محطات الوقود إلا وتجد ذلك الشخص الذي يعنّف المواطنين بالسب والشتم، فلا حرمة عندهم للكبير أو الصغير، ولا يسلم أحدٌ من لسانهم والنيل منهم. بل الأمر لا يقف عند المصرف ومحطة الوقود فقط، بل تعدّاه إلى المصالح الحكومية، فتجد في بعض المصالح ذلك الشخص المتجهّم شديد البأس، طويل اللسان، سفيه الأحلام يشتم هنا، ويطرد من لا يعجبه هناك، بل أحيانا يغلق أبواب المصلحة في وجوه المواطنين لأبسط الأسباب.

ومن بين أساليب العنف اللفظي ذلك المسلّط على المرأة في مجتمعنا سواء بالمضايقات أو المعاكشات أو المصحوب بالإيحاءات الجنسية، وأحيانا يتعدّاه بالابتزاز والتحرش الجسدي.

العنف الاجتماعي : وهذا العنف له أنماط عدة، من بينها تعنيف الرجل لزوجته، وأن يوكل لها أعمالا فوق طاقتها فتجدها هي الموظّفة وهي العاملة وهي المربّية للأبناء، وعند أي تقصير منها يعنّفها لفظيا أو جسديّا (ضربها) لكونها ناشزا ولا تطيع زوجها!!

ومن بين أنماط العنف الاجتماعي تعنيف الوالدين للأبناء بالضرب أو الشتم أو الاستهزاء، ووصفهم بأنهم أولاد أغبياء ولا قيمة لهم مما يولد لدى الأبناء إحباطا  ونازعا نفسيّا يتطوّر يجعلهم عرضة للإجرام.

صورة شخص يقوم بضرب شخص آخر ويوقعه أرضا، في نفق

الإهمال : لا تخلو الشوارع هذه الأيّام من الأطفال، الذين يتركهم آباؤهم يجوبونها متى شاؤوا. في ظاهرة متنامية تستحق الدراسة. فيعاني الطفل منذ صغره بالإهمال وعدم المبالاة، فيولد لدى الطفل عامل نفسي أنه غير مرغوب فيه من الأشخاص الذين كانت مهمتهم رعايته والاهتمام به، فينشأ الطفل على حالة نفسية تولد في داخلها العنف وعدم حب الذات، مما ينتج عنه الغيرة والحسد والكره.

خاتمة

إن العنف في ليبيا مرتبط ببعضه كسِلسلةٍ لا تنفكّ عن أُخرى، فالحرب هي المنجبة للعنف، وبها يتسلّط المدير على الموظف، والموظف على المواطن، والمواطن على المدير، وهي التي تمنع الأمن والأمان من أن يسودا في المجتمع، فبانتهائها ينتهي أغلب أساليب العنف، ويبقى العنف الاجتماعي، الأخطر والأطول مدى، والذي بدوره هو ثقافة، ولا يصلح إلا بوضع قوانين صارمة ورادعة، تكفل حق المواطن.

ويبقى “سالم” شخصيّة تتكرّر في كلّ شارع وجيل. فكم بيننا من سالم لم يسلم، فمتى تنقذهم قبل أن يصلوا إلى نقطة اللاعودة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (0)

  1. 👏موضوع واقعي الحمد الله أن في حد حكى عليه وناقشه
    كارثه العنف وقعد شئ عادي و طبيعي في البلاد

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية