البطالة في ليبيا لا تعرف سنّا ولا شهادة ولا مهارة، البطالة بأنواعها سوس ينخر في جسد بنية الاقتصاد الليبيّ - Huna Libya
بطالة - Chômage - unemployment article comment count is: 18

عاطل عن العمل بثلاث لغات

تصوير / عبد العزيز المنصوريّ.

ما الذي يُمكن أن تفعله بلغتين حيويّتين، فضلا عن ثلاث لغات؟ بالتأكيد سيتبادر إلى ذهنك العديد من الاحتمالات ولكن لا أظنّ أنّه سيكون من بينها “البطالة“. نعم، فـ”حسن عبد الله الدالي” (26 عاما) من مدينة درنة. تخرّج من قسم اللغة الفرنسيّة بجامعة طبرق عام 2015م بعد تعذّر دراسته السنة الأخيرة في جامعة عمر المختار درنة والتي درس بها كل سنوات الدراسة الجامعيّة؛ بسبب الحروب المتوالية – وقتها – وانقطاع الدراسة المتكرّر بالمدينة.

طفولة حالمة وموهبة واعدة

الدالي” أتقن الإنجليزية بعد أن تعلّمها من الأفلام والأغاني والاحتكاك منذ صغره، ولهذا دخل تخصّص اللغة الفرنسيّة لشغفه بتعلّم اللغات. يروي لنا في لقائنا معه قصّته فيقول:

“منذ طفولتي وحُلمي أن أتعلّم أكبر عدد من اللغات، كان لي هوسٌ بمعرفة الشخص الأجنبي ماذا يقول! وعندما كنتُ أشاهد الأفلام وأسمع الأغاني التي كانت معظمها أمريكيّة، تعلّمت منها اللغة الإنجليزيّة، ولهذا قلتُ لنفسي هذه الإنجليزيّة انتهيت منها، فلماذا لا أدرس الفرنسيّة كتخصّص دراسي! وقد كان هذا بناءً على نصيحة من والدي”.

حسن الدالي في الشارع - عاطل عن العمل بثلاث لغات

يسترسل “الدالي” في شرحه فيزيد قائلاً:

“منذ أن بدأتُ أدرس اللغة الفرنسيّة مباشرةً صار عندي شغفٌ بها، أحببتُ فكرة أنّها شيءٌ جديدٌ تماماً، فنحن في ليبيا تكاد لا تمرّ علينا أبداً كلمات باللغة الفرنسيّة في حياتنا اليوميّة. ولأنّ المناهج الدراسيّة التي كنّا نتعلّم منها طُرقها قديمة ولم تلبِّ رغبتي في تعلّم اللغة بالطريقة التي أحُب؛ اتّجهتُ مجدّداً للأغاني والأفلام الفرنسيّة. وهكذا، أتقنتُ اللغة بدرجة كبيرة حتّى تخرّجت من الجامعة بحصولي على الترتيب الثاني على الدفعة، وإلى الآن لا يزال لديّ شغفٌ بتعلّم اللغات فأتعلّم اليابانيّة عن طريق (الإنيمي)، وكذلك القليل من الإسبانيّة والإيطاليّة” وختم قائلاً “والحبل عالجرّار…”.

الواقع جدار تتحطّم عليه أحلام الموهوبين

كلّ ما ذكره “الدالي” قد يبدو واقعاً واعدا لحياة حسن الدراسيّة، أمّا فيما يخص حياته العمليّة فالأمر عكس ذلك تماما. يخبرنا حسن عن طموحاته قبل التخرّج وكيف اصطدم بالواقع المرير بعد تخرّجه، يقول:

“كان هدفي بعد التخرّج أن أكون مترجماً، منذ أن كنت طالباً في الثانويّة وأنا أتخيّل نفسي جالساً في غرفة مغلقة في خلفيّة قاعة مؤتمرات عملاقة، تغطّي أذني السمّاعة وأمسك بيدي ورقة وقلما، أكون فيها وسيطاً بين كلّ العقول مهما كان لونها ولغتها، أفهم كلّ الألسن وأُفهِم من يستعصي عليه الفهم، بعيداً عن الصورة النمطيّة للمُترجِم في مجتمعنا التي يظن فيها الناس أنّ المترجم وظيفته أن يترجم ورقة بسيطة أو يفكّ تشفير تقرير طبّي..”

حسن الدالي يضع سماعات على أذنه أمام لابتوب وفي يده أوراق

يضيف “الدالي” إلى كلامه بعد سكتَ للحظة، وكأنّه يستحضر موقفا ما، لا يودّ الحديث عنه، ثمّ قال:

“لكن عندما نأتي للواقع من البداية، ستتغيّر حتّى نبرتي في الكلام، لأنّ الواقع عندما أرجع إليه، أبتعد عن حلمي وأراه ليس صعباً فقط بل مستحيلاً! طبيعة الحال تفرض عليك أن تبحث عن أيّ عمل فقط لتجد قوت يومك، لهذا منذ أن كنتُ طالباً في الجامعة وأنا أعمل رفقة أخي في طباعة الأوراق البحثيّة وتصميم (البوسترات/Posters) الدعائية البسيطة، بدأ الأمر عندما كان يطلب منّي مساعدته عندما يستصعب العمل لوحده، فوجدتُ في هذا العمل مردوداً مادّيّاً أستطيع على الأقل أن أكسبَ به ما يسدّ حاجتي اليوميّة، لكنّه حتماً لا يلبّي طموحاتي ولا يمكن الاعتماد عليه مطلقاً”.

حلم – خيبة – شغف – كآبة

كان “الدالي” قد تخرّج منذ أربع سنوات بطموحٍ كبير وحماسٍ أكبر لسوق العمل، أمّا في الوقت الحالي فهو يعبّر عن خيبته بعد تنهيدة عميقة بقوله:

“أنا حاليّاً فقدتُ الأمل نهائياً في الوصول لما كنت أحلم به، منذ حوالي السنتين مررتُ بحالة كآبة عندما لم أجد جهة توظّفني، البطالة تُطفئ تلك الشعلة التي في داخلك، حينما أكون بلا عمل ينتظرني في النهار لا أستيقظ؛ فيصير نهاري للنوم وليلي للسهر، في هذا الأمر دمارٌ للنفسيّة، وتهالك للروح، تشعر بأنّ روحك متآكلة ومليئة بالثقوب التي مهما تحاول أن تسدّها بشغل نفسك بإلهائها ولو قليلاً يظلّ حجمها في ازدياد، حتّى تقضي عليك…شعرتُ في كثير من الأوقات أنّني عالةٌ على المجتمع، حتّى شعرت بعدم رغبتي في الاستمرار في هذه الحياة”.

الدالي جالسا في الشارع وعو يدخن وهناك طفلة تمر بقربه
“البطالة تطفئ تلك الشعلة التي في داخلك” يقول حسن الدالي

في رحلته للبحث عن العمل يقول حسن:

“يكاد لا يكون هناك جهاز أوهيئة أو مؤسّسة حكوميّة في مدينتي درنة إلّا وقدّمت لها ملفّي. بل تقدّمتُ لأكون جنديّاً في أمن المنافذ، وحتّى هذه لم يتم قبولي بها”

وعندما سألنا “حسن الدالي” عن سبب رفض ملفّه في أيّ وظيفة تقدّم لها:

“لن ألوم الحظّ لوحده، في ليبيا يجب عليك -ليتمّ توظيفك- أن تعرف أحداً مقرباً ذا منصب جيّد باستطاعته أن يوظّفك أيّاً كانت مؤهلاتك. وهذا ما لم يتوفر عندي. وكأنّ الشهادة الحقيقية عندنا هي العلاقات الشخصية لا الكفاءة والإجتهاد، والفكرة أن مجتمعنا أيضاً لا يساعد، فعندما حاولت أن أستخرج ختم ترجمة قانونية لأفتح به مكتباً بعد أن رضيت بالأمر الواقع، الكلّ قال لي “شن تبّي تستفيد، يجيك تقرير طبّي بالفرنسي من تونس وتاخذ عليه عشرة دينار؟!” فـلم يشجّعني أحد على الفكرة، وللأسف رضخت لضغوطات المجتمع وإلى الآن لا زلت عاطلاً عن العمل.”

الدالي وهو يلعب الجتوني مع أصدقائه

آخر محطّة

حسن ليس إلّا شابّا ليبيّا بقدراتٍ استثنائية ولغات متعدّدة ومهاراتٍ مكتبيّة متنوّعة، ولم يجد رغم كل قدراته وظيفةً تليق به، حتّى في مكتبٍ حكوميٍّ تجعل منه يؤمن بأن هذه الدولة يمكن أن تكون حاضنةً له، ومثله كثير. حتى القطاع الخاصّ لم يجد فيه حسن السبيل، وسط طغيان القطاع العامّ وعدم تساوي الفرص وغلبة المحاصصات وقلّة الداعمين والمشجّعين ولو بكلمة.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (18)

  1. اوافقك الراي بالفعل انا خريجه لغه انجليزيه قسم ترجمه كان حلمي اني نكون مترجمه لكن للاسف في ليبيا الحلم ممنوع

  2. انا صديق مقرب ل حسن الدالي
    لو تسلم ليبيا الي شخصيات طموحة مثل حسن وغيرة من الشباب الكثيرين في بلادي عندها ستكون ليبيا جنة،والله ولي التوفيق
    موفق يا صاحبي 🙏🏼

  3. فعلا هذا الواقع السي الذي أعيشه رغم تخرجي من الهندسة و الانجليزي لكن لم اجد أحد يوظفني مع اني متخرجة من 9 سنوات لدرجه فقدت الأمل و كرهت حياتي دولة فاشلة باختصار لو شاب مثله كنت هاجرت

  4. نفس القصة والظروف يمر بها من لديه طموح في ليبيا فالكفاءة ليس ها مجال بل الواسطة! نضيع ونهدر الانسان ولانستثمره بهذه العقلية المدمرة..منذ أن كنت طالبة في قسم اللغة الفرنسية جاء قرار الغاء تعلم اللغات الأجنبية…طرقت كل أبواب “البعثات”لاجدوي..ناضلت سنين عديدة …وأهدر من العمر أجمل سنينه ..أتألم أن أري نفس القصص تتكرر ونحن في الألفية الثالثة ولكن صحيح هذه الرقعة الجغرافية “ليبيا ” هي خارج الزمان!

    1. للاسف الجميع يمر بهذي المحطة المظلمة بعد التخرج وخاصتن قسم اللغه الفرنسيه او اللغات بصفه عامه

  5. أحسنت الحوار وأحسنت النشر سيدي
    وحسن أحسن الوصف عن حاله،وعن حااااااااااااال الكثير من الشباب الليبي.
    ولكن حل حسن فيما يخض البطالة وعدم حصوله على وظيفة عندي أنا بإذن الله.
    أدعوكم للتواصل معي[email protected] والله من وراء القصد.

  6. ي عزيز اريد ان اترك لك نصيحه يمكن ان تساعدك في حياتك اذا كنت فعلا لديك قدرة و طموح و قوة شخصيه و رغبه في اتبات ذاتك سوف تصل إلى حلمك مهما كانت الظروف بيئه التي تعيش فيه نصيحتي اذا لم تجد طريق في ليبيا ابحت عنه في مكان اخر لا تستلم ابدا ابحت في انترنت سوف تجد من يعطيك فرصة وكن له بالمرصاد و قدم ما تملكه و اتبت لهم انك ناحج في تخصصك وعملك وابدا دايماً بي تطور و تعلم مهم كانت رتبتك في عمل قل دايما اريد ان اطور من نفسي واتعلم و ارتكب الأخطاء و تعلم منه و اتمنى لك نجاح في حياتك.

  7. تقرير موفق .. نتمنى أن يستمر تسليط الضوء على قضايا الشباب في ليبيا فثمة صوت مندثر يحتاج للبوح وهموم أخرى تريد من ينقب عليها ويميط اللثام عنها

  8. في بلادنا “النزيكة”، الشهادات العليا كانت أم الدُنيا لا تساوي شيء طالما لم ترافقها الوساطة والمحسوبية و”الخيخي والبنيخي” و”من طرف فلان”.. فلتحيا دولة الحقراء.

  9. نعم نعم
    لن اذهب بكم بعيدا
    اخي ليسانس قانون وماجستير ف العلاقات الدوليه يتحدث انكليزية بطلاقه بعد دوره عام ونصف في الخارج
    يتقاضى مرتب قوى عامله هههههه ويعمل بمحل تجاري
    والله المستعان
    انا ابناء فلان وعلان الذين لا يعرفون حتى كتابه اسمائهم بالانجلش يشغلون اهم المناصب في الوزارات والاماكن السياديه
    سلام على ليبيا

  10. تعليقك هنا *كثيرين من هم مثلك يمتلكون المهارات والمواهب…ولا داعم ولا مساندة لهم..ببساطة ( ما عندنش واسطة)… حدثتك من واقع تجربة خاصة مثلك تماما….ربي يفتح عليك وعلى ابني وكل ابناء ليبيا ابواب الخير والنجاح

  11. نعم نفس المعناة خريج هندسة مدنية 2013 والي الأن لم اتحصل علي عمل !
    طرقت أبواب المؤسسات العامة و الخاصة تعمل يثمن لا يتناسب مع متطلباتك الشهرية وتجد نفسك تركت العمل البأس عند الشخص البأس ينتابني شعور في ابلادي غريب وانني لست مواطن ليبي طالما لا ينزل اخر الشهر راتب اشعر بذاتي وها انا انتظر المستقبل بسواد ولا امل في ذلك
    حسبي الله ونعم الوكيل

  12. انشالله ربي يفتحها عليك خوي وتلقى الوظيفة اللي تحلم بيها وتناسبك ،انا تقريبا بدايتي نفس حالتك فهمت الانجليزي صغير من الافلام والاغاني كان في بالي انها نعمة من ربي وحتفيدني القدام بس اللي شفته فكلية اللغات مغاير لتوقعاتي لاني شفت هلبا طلبة متخرجين وبشهادة ترفع الراس وقاعدين ماحصلوش وظائف مع انهم من افضل الخريجين والحق بعد ماشفتهم تراجعت (سليت سبينتي) بالعامية بعد اول سنة وخشيت هندسة وتو حاليا فالسيمستر السادس وانشاءلله خير لان فالبلاد هدي مافيش حاجة مضمونة وانشالله ربي يلطف بحالي وحالك وحال جميع الليبيين