article comment count is: 0

سالم أبوظهير يكتب: الإنسـان الليبـي المقهـور

الإنسان المقهور بشكل عام هو ذلك المخلوق المغلوب على أمره، والذي يتحكم في مصيره شخص أخر، أما الإنسان الليبي المقهور فهو ذلك الانسان الذي تحكمه المليشيات المسلحة، وتكتم على نفسه وترعبه وتخيفه وتضيّق عليه. تسيطر على ثرواته وتتحكم أيضا في مصيره ومصير أسرته، وتصل درجة القهر إلى أن تستبد المليشيات به، فتتحكم فيه بشكل كامل. قد تسحب منه مواطنته وتجرده من فكره الذي يؤمن به، وتطرده من بيته وبلاده، وتستغنى عنه كليبي ليس له الحق في أن يعيش إلا وفق رغبة ومزاج القوي الذي  يمارس عليه القهر، ويزهو بذلك ويفتخر!

في ليبيا، كما في أي دولة من دول العالم التي تعاني من أزمات لا حد لها بسبب نشوب الحروب أو لأسباب أخرى، يمكن جدا التخفيف والتقليل من حدة هذه الأزمات أو حتى التخلص منها لو وُظف علم النفس وسُخرّت نظرياته بشكل جيد لخدمة قضايا الانسان الليبي المقهور، الذي وجد نفسه – وبدون اختياره – يعيش وسط واقع مأزوم، ويواجه صعوبات لا حصر لها للتخلص من هذا الواقع، وأيضا يمكن جدا الاستفادة من النظريات النفسية لخدمة قضايا التنمية الليبية بشكل عام.

ففي بعض دول العالم المتقدم، والتي وصلت لدرجات مهمة من التقدم والتطور بعد أن تجاوزت عقودا عانت شعوبها فيها من الحروب والفقر والمرض والجهل والتخلف، وتمكنت بعد صبر طويل من أن تصل بشعوبها لما كانت تطمح في الوصول إليه، وساعدها في سرعة الوصول تطبيق الكثير من نظريات علم النفس التطبيقية في قطاعات الصحة والتربية والتعليم والتدريب المهني والأمن العام، وحتى مؤسسات الجيش ومؤسسات المجتمع المدني.

وقد ساعد تطبيق نظريات علم النفس كثيرا من الدول، لتصل لمرتبة دول العالم الأول بشكل صحيح وسريع، وذلك من خلال تخطيط ساسة هذه الدول وحرص على تنفيذ كل ما يمكن من أجل فهم تكوين الإنسان في مجتمعه، وتحديد ومعرفة قدراته وسلوكه وتوجهاته، كي تُسخّر إمكانياته بالتالي من أجل المساهمة في دفع عجلة التنمية والتطوير في بلاده، وذلك بتهيئة كل الظروف المتاحة الممكنة التي تساعد هذا الإنسان أن يتخلص من مشاكله الشخصية الخاصة، ويندمج مع باقي أفراد مجتمعه ليشارك في تقديم الأفضل، ولتنشأ بذلك – وبشكل تلقائي وتدريجي – علاقة تكافلية قوية بينه وبين الجماعة التي يعيش وسطها، ولتترسخ بذلك الأساسات اللازمة للوعي بثقافة المجموع، والاندماج في الجماعة والعمل التعاوني والجماعي الإيجابي والمنظم.

وليبيا بلاد عجيبة تحملت صنوفا متعددة من القهر والفقر المادي والمعنوي، وتأخرت كتيرا عن اللحاق بدول العالم المتطور وحتى التي في طور النمو، لأنها لم تتوقف حتى الآن عن الهرولة للخلف. ليبيا وشعبها في أمسّ الحاجة الآن إلى الاستفادة من تجارب من سبقوها، والتركيز والاستفادة القصوى من علم النفس ونظرياته، والعمل على تدارسها وتطبيقها بشكل عملي وواقعي، لعلها تكون طوق النجاة الذي يخرج البلاد من مستنقعات التخلف الغارقة فيه. ويجب على من يرسم السياسات الاجتماعية الليبية، ويخطط لها وينفذها، أن يضع في المقام الأول علم النفس ونظرياته العلمية، ويسخرها بشكل مثمر ومفيد لتساعد الإنسان الليبي المقهور على استعادة ثقته في نفسه وقدراته، وتسهل له بكل ما أمكن فهم قضاياه الحياتية اليومية المتعلقة بالتنمية المتعطلة، وتشخيص الأسباب الحقيقية التي تعيقه وتمنعه من أن يتخلص من القهر، ويبدأ مرحلة جديدة ليحقق كل ما يحلم به من تقدم وتطور ورفاهية.

الإنسان الليبي المقهور في حاجة ماسة وملحة جدا إلى أن يدرسه متخصص في علم النفس حالاته النفسية، ويخلصه من القهر بإجراء دراسات موسعة ومتخصصة لاستكشاف وتشخيص خصائص نفسيتة المقهورة، باعتباره حالة خاصة جدا تختلف بشكل مؤكد عن نفسيات المقهورين في باقي دول العالم المتخلف، كما يجب الاستفادة من علم النفس لحث هذا الليبي المقهورعلى إيجاد البدائل الآمنة واستثارة وتنشيط الآليات الدفاعية المكبوتة عنده، ليوازن نفسه ويجابه القهر ويتخلص منه، ويتغلب عليه قبل أن يموت قهرا!

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية