سلسلة جبال الحساونة تعدّ مثالاً حيّا لما قد يرتكبه البشر من تجاوز بحق الحياة البرية - Huna Libya
#لسنا_وحدنا article comment count is: 14

جبل الحساونة بالجنوب الليبي: حياة برية مهددة بالفناء

كثيرٌ من الليبيّين لا يعلمون شيئا عن تاريخ الحياة البريّة في جنوب ليبيا. وأيضا، لا يعلم أغلب سكّان الجنوب الليبيّ، أنفسهم، عن ذات الحياة في واحدة من أكثر المناطق شهرةً لديهم.

نتحدّث هنا عن سلسلة جبال الحساونة؛ التي تعدّ من أبرز المعالم الطبيعيّة بالجنوب الليبيّ. وهي عبارة عن سلسلة جبليّة تمتدّ شماليَّ منطقة وادي الشاطئ (75 كم غرب مدينة سبها) بالجنوب الليبي.

صورة سفح جبلي - جبل الحساونة

تنقسم سلسلة جبال الحساونة إلى وديانٍ عديدة ومُرتفعاتٍ متداخلة؛ تمتدّ على مساحة 800 كم مربّع. ومن أهم وديانها: (وادي مسعودة، وادي الززعة، وادي السبطة، وادي زقزة).

وتعتبر هذه الوديان ممرّات طبيعيّة للمياه أثناء حدوث السيول بالجبل، التي تعتبر محور الحياة في هذه السلسلة، وتقع تقريبا كلّ ثلاث سنوات. تحتضن هذه الوديان العديد من المراعي التي يعتمد عليها سكّان المناطق القريبة من الجبل في رعي قطعانهم.

هذه السيول وما يعقبها من برك مياه ونباتات؛ كانت أساس الحياة البريّة في هذه السلسلة، وهو ما نلمسه في نقوش السكان القدامى هنا، فلا تكاد تخلو صخرة أو كهفٌ في المنطقة من هذه النقوش، التي وثّقت لحياةٍ بريةٍ غنيةٍ ومتنوّعة، امتدّت حتى وقت قريب.

نقوش من وادي الحساونة بالجنوب الليبي

الممرّات والمسارب بين هذه الوديان متشابكة، وضيّقة في أحيان كثيرة، وتعرف محليا بـ(الشطيب)، تنتشر فيها العديد من النباتات الصحراوية، التي تعدّ من أهم عناصر العلاج الشعبي لدى روّاد الجبل وساكنيه.

يقول نائب رئيس جمعيّة جبل الحساونة لحماية الحياة البرية حسن محمد بوحسن إنّ من أهمّ الأشجار والنباتات في الجبل؛ نبات اجداري ويستخدمه روّاد الجبل لعلاج أمراض المعدة، ونبات كمونة الإبل ونبات الفلية بنوعيه، والترفاس، الشيح، واللوبيا.

وعن الأشجار المعمّرة بالجبل يضيف أنّ بعضها يصل عمره لأربعمائة عام، ومن أهمّها في الجبل شجرة الأذخر، وشجرة الروبيا، والجعدة، وأغلب هذه الأشجار والنّباتات تنمو بشكل كبير في أوقات السيل الذي تشهده وديان الجبل.

تنوّع الحياة النباتية بالجبل نتج عنه تنوّعٌ ملحوظ في الحياة الحيوانيّة، كانت وديان الجبل ومرتفعاته مليئة ببقر الوحش، والغزلان، والودّان والثعالب، والأرانب، والأفاعي، عدا الطيور المختلفة كالغراب، والفنك، والصقر، وأبوغرير، والهدهد وغيرها.

غير أنّ أغلب هذه الحيوانات تناقص عددها بشكل كبير نتيجة عمليّات الصيد، وما يصفه “بوحسن” بـ”الرعي الجائر“. حيث يُطلق الرعاة قطعانهم بشكل عشوائيّ في الوديان؛ ما يؤثّر على سلامة النباتات، وعلى المساحة الخضراء المُتاحة للحيوانات البرية.

وهو ما دفع جمعيّة جبل الحساونة لحماية البيئة إلى تنظيم حملات توعوية لمرتادي الجبل، تحثّهم على احترام الحياة البرية للجبل؛ والتوقف عن صيد الحيوانات.

جمال، شجرة، صحراء، يابسة - جبل الحساونة

يُعدّ الماء والحفاظ على كميّات كبيرة منه؛ هاجسا يؤرّق المتطوعين في الجمعيّة، فالماء هنا هو المحور الأساسي للحياة في الجبل، الذي تنتشر في أوديته ما يعرف بالأثماد (جمع ثمد) وهي عبارة عن حفرة على هيئة بئر، كان الناس يقومون في السابق بإعدادها لتخزين أكبر كمية من الماء بعد نزوح مياه السيل، وتكون متاحة للحيوانات البريّة بشكل دائم.

يوجد في جبل الحساونة 6 ستة أثماد، سعة الواحدة منها 10 آلاف لتر مكعب، كما تنتشر مخازن أخرى للمياه تسمّى القَلات جمع قَلّة، وهي عبارة عن أحواض طبيعيّة تتسع 30 ألف متر مكعب من المياه.

أغلب هذه القلات تمّ تدميرها عام 1813م على يد محمّد المكني باشا في حربه مع بعض القبائل الخارجة عن سلطة يوسف باشا (1795-1832) والتي لجأت إلى الجبل؛ في محاولة منه لمنعها من الوصول إلى الماء.

تقوم جمعية جبل الحساونة لحماية الحياة البرية بإعادة إحياء هذه القلات التي يبلغ عددها 8 موزّعة على وديان الجبل.

صورة مبنىً حجريّ، يُشبه البئر
أحد أثماد جبل الحساونة. والثمد حفرة على هيئة بئر، تجمع فيه الماء، بعد نزوح مياه السيول.

يعدّ جبل الحساونة من أهم المواقع التي تحوي نقوشا قديمة عن الحياة البرية وعلاقة الإنسان بها. يقول “بوحسن” إنّ عُمر بعض هذه النقوش يصل إلى 7 آلاف عام، وأغلب صخور الجبل مليئة بهذه النقوش، التي ذهب بعضها بسبب عوامل التعرية، ولكنّ أغلبها في حالة جيدة.

تُصَوِّر هذه النقوش حياة الإنسان في الجبل إبان تلك العصور، التي كانت قائمة على الصيد والرعي، نجد نقوشا توثّق عمليات الصيد التي كان بعضها يجري باستخدام العربات، وبعضها تتمّ بشكل جماعي. كما تصوّر بعض النقوش الحياة الاجتماعية وطقوس الزواج والدفن لدى تلك الحضارات.

يقول بوحسن إنّ الجمعية تجتهد للحفاظ على هذا الموروث الثقافي، خاصّة أنّ أغلب مرتادي الجبل يقومون بنقش أسمائهم على الصخور دون مراعاة وجود هذه النقوش التاريخية، ويضيف بوحسن أنّ هذه الرسومات لم تتحصّل بعد على ما تستحقّه من دراسة وبحث وتنقيب، من قبل المختصّين بالآثار والتراث الإنساني.

صورة رجل يرتدي عمامة زرقاء وخلفه شجر يابس
أ. حسن محمد بوحسن – نائب رئيس جمعيّة جبل الحساونة لحماية الحياة البرية

تاريخ جبل الحساونة حافل بالأحداث والتفاعل بين الأقوام والقبائل التي استوطنته أو مرّت به، يقول بوحسن:

“إنّ الجبل يقع على طريق القوافل التي كانت تجلب بضائع إفريقيا إلى الشمال، ولا تزال آثار هذه الطرق والمعروفة بـ(الطرق العربية) موجودة بوضوح، ويسترشد بها روّاد الجبل والرّعاة في وديانه. كانت قوافل الشمال تأتي بالقمح والشعير الذي يعتبر الغذاء الأساسي لسكّان الجبل في ذلك الوقت”.

في تلك الفترة، والتي شهدت تواجدا مكثّفا للجماعات البشرية في المنطقة، بدأ الضغط على الحياة البرية، سواء النباتيّة منها أو الحيوانية، فكثرت عمليات الصيد بشكل متزايد.

ولعلّ المِئة سنة الأخيرة كانت كفيلة بإنهاء كل تلك الأنواع من الحيوانات التي أصبحنا لا نراها في الجبل، يقول بوحسن، فلم يعد هناك وجود إلّا لأعداد قليلة جدا، نكاد لا نراها من الغِزلان، إضافة لأعدادٍ بسيطة من حيوان الودّان البري، عدا ذلك نجد الأرانب وبعض القوارض والأفاعي.

صورة شجرة وحيدة وسط صحراء قاحلة - جبل الحساونة

حاليّا لا يسكن أحدٌ سلاسل جبال الحساونة، بعد أن استوطن النّاس في بلدات وقرى وادي الشاطئ إلى الجنوب من سفوح هذه السلاسل، وأصبحت الأخيرة متنزّها لسكّان الوادي، ومرعىً لأصحاب قطعان الإبل والأغنام، ومكانا لمُمارسة هواية الصيد.

والأهم من ذلك أنه كان ولا يزال ملجأ لكل خارج عن القانون أو خائف من الثأر؛ ففي وديانه الكثيرة ومساربه المتشابكة يصعب البحث عن الفارّين، وقد يصبح مستحيلا، لذا يحدث أن يتحصّن بالجبل الكثير من هؤلاء ممّن وجدوا فيه الأمن من طالبيهم.

سلسلة جبال الحساونة تعدّ مثالاً حيّا لما قد يرتكبه الليبيّون من تجاوز بحق الحياة البريّة، ومدى الضرر الذي يحدثونه لمحيطهم وبيئتهم بالقضاء عليها، ووجود جمعية وحيدة، وبإمكانيات بسيطة؛ لن يجدي نفعا فيما يخصّ إيقاف تدمير الحياة البرية في المنطقة.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (14)

  1. اول مقال يسلط الضوء على النقوش الحجريه في جبل الحساونه… مما يعد في علم الآثار.. بمثابة الاكتشاف.. نتمنى أن تكون هناك خطوات لاحقه بتوجيه دعوه الي” اليونيسكو”…. إلى بضم مواقع النقوش الحجريه الي المواقع الاثريه الدالة على التراث الإنساني الذي يعود كما يقال الي عصور ماقبل العصر الفرعوني

  2. البيوت القديمة والحجرية جزء أساسي من الهوية الوطنية والديموغرافيا الوطنية والسياسية فتلك النقوش تذكرني ببيوت السلط الابية التي منعت الملكة نور الجرافات في فترة التسعينات ان يجرفوها وقد وقفت امام جرافات البلدية بشجاعة الرجال وقالت لهم تراث السلط الابية وبيوتها القديمة جزء من تراثنا وهويتنا الوطنية انها خط احمر تراجعوا عن جرفها وفعلا سمعوا ماقالت لهم الملكة نور الحسين وتراجعوا عن ماكانوا يريدون الاقدام عليه من خطا احمق بحق الهوية الوطنية

  3. اجتهاد طيب لكنه لم يعرف تعريفا واضحا باهم الاودية ، حيث ذكر المصب الجنوب للاودية الجنوبية . واهمل المصبات الشرقية وهي كثيرة
    من مثل لا صوفة والحاذ ….والفات …والمالق
    وكذلك الغربيىة من مثل .بدران
    … الكوماس … وارماس . وحتي الكبش .. ووو غيره حتي اطراف الحمادة ..والشمالية واشهرها غيلان
    .
    الاثماد
    ___. لم تذكر باسمائها نسبة الي اوديتها .
    الاقلات (( خزانات المياه الطبيعيةالكبرى )) قصة تدميرها .مرتبطة بسقوط دولة اولاد امحمد بمرزق ،حيث قاتل الحساونة الي جانب دولة اولاد امحمد ضد الاتراك تحت مسمى تحالف اشراف العرب الذي ضم العديد من القبائل … ولما سقطت دولة اولاد امحمد .قرر الحاكم التركي . المكني . تدمير مناهل الماء حتي يجبر الحساونة علي العودة للقري وتأمين طريق القوافل من الشمال الي مرزق . الطرق التي كان يهددها الحساونة ومن معهم ..
    للتعريف بجبل الحساونة يحتاج الامر .لاكثر من عرض مقتضب
    .. بل لكتاب يتناول كل الخصائص .التاريخية والرعوية والاثار ووووو .
    .. تحية لاعضاء جمعية جبل الحساونة ،الذين بذلوا جهدا يذكر فيشكر ،لاعادة اشهار وتبيان وبناء العديد من الاثماد (( موارد الماء ))

    1. صدقت عزيزي…المادة هنا ليست عرضا تفصيليا بل هي اضاءة بسيطة لتحفيز البحاث والكتاب والعلماء للبحث والدراسة اكثر…هنا مقال او تقرير مبسط لايشترط فيه ان ترد كل التفاصيل بل يحفز من عنده التفاصيل للمتابعة والاضافة والبحث… ومنها اننا استفدنا من المعلومات التي اوردتها والتي تحتاج للبحث والتوثيق ايضا.

  4. بارك الله فيكم
    فهذا معلم ثقافي وسياحي ويجب المحافظه عليه
    جبل الحساونه الاشم