نبات البطّوم - صورة من إحدى غابات الجبل الأخضر Huna Libya
الحياة البرية في ليبيا article comment count is: 9

صيد الليل وزعفران غريان والشماري، قصص عن برية ليبيا المهددة

على خارطة ليبيا التي تقارب مساحتها مليوني كيلو متر مربع، توجد ألوان عديدة؛ تنوّع في التربة وفي المناخ، وارتفاع الأرض وتوزّع السكان وأشياءٌ كثيرة، وللحياة البرية نصيب من هذا التنوع.

يأتي تنوّع الحياة البرية جزءاً من مفهوم أكبر، وهو “التنوّع الحيوي Biodiversity” ويُقصد به: مقدار التنوع في  البيئة من نباتات وحيوانات بمختلف أنواعها، بدءا من الأحياء الدقيقة، وحتى الثديات والطيور الضخمة.

لا يُعرف مقدار التنوّع في العالم بالتحديد، برغم كلّ محاولات حصر الكائنات. ثمّة دوماً ما نكتشفه عن سبب وجود حشراتٍ أو طحالب أو فطريات من حولنا يُهيّأ لنا ألّا دور لها، ويكتشف العلم دوما أحياءً جديدة فيما تتناقص أخرى لأسباب عديدة: أولها الممارساتُ البشرية الجائرة.

لا تعدّ ليبيا في مقاييس التنوّع الحيوي غنية جدا، مقارنة بمناطق أخرى كالدول الاستوائية أو بلدان غابات الأمازون، لكن هذا لا يقلّل من أهميّة كلّ كائن حيّ ودوره في التوازن الحيوي المحلي، بل إن قلّة التنوّع دافعٌ للمحافظة على ما نملك. في هذا التقرير سنحاول رصد أشكال تغيّر الحياة البرية في ليبيا، ولماذا تهمنا.

حرائق، غابات، إطفاء
إحدى حرائق غابات مدينة شحات بالجبل الأخضر – تصوير: حسن امداوي

الجبل الأخضر.. هل يستمر أخضرَ؟

قبل بضعة أشهر (أكتوبر 2019) اشتعلت نيران في أطراف الأحراش في الجبل الأخضر؛ نتيجة حرق أكوام قمامة مكدّسة.

تعاون بعض السكّان لإطفاء النيران، وسيطروا عليها، ولكن بعد أن أتت على بعض الشجيرات والنباتات، وليس هذا أكبر  حريقٍ يصيب المنطقة، بل فقدت المنطقة أجزاءً مهمة من الغابات في حرائق عامي 2013-2014.

صلاح (40 سنة) أحد سكان مدينة شحات (شرق مدينة بنغازي 210 كم) يروي كيف كانت غابات عين الحفرة والوسيطة وغيرها مختلفة عمّا تبدو عليه اليوم:

“…كانت الغاب في طفولتنا أكثر كثافة وخضرة، وهي مرتبطة لدينا بالهدوء والسّكينة والاكتشاف. مهما دخلت إلى أعماقها لن تكتفي منها. بالنسبة لنا كانت الغابة وجهة التنزه أو البحث عن الهدوء أو الاكتشاف والتخييم….

صحيح كان الناس يحتطبون منها، لكن الجميل – الذي فُقد اليوم – هو حرص آبائنا وأجدادنا على الاحتطاب دون ضرر بالبيئة، حيث لا تُقطَع شجرة خضراء أو مُثمرة وكان الجميع يحترم ذلك بما يُشبه العُرف أو الاتفاق”.

صورة بالقمر الصناعي، تقارن وضع منطقة الوسيطة بالجبل الأخضر، قبل وبعد حريق 2017 – القمر الصناعي

يفسّر صلاح وهو رئيس جمعية ليبيا الجديدة دشّنها ومجموعة من رفاقه من البيضاء وشحات عام 2013، يفسّر التخريبَ الذي طال البيئة بازدياد السكّان الطبيعي دون وجود خطط لتنظيم التوسّع العمراني.

وهو ما تذرّع به بعض السكان للتعدّي على الغابات والأراضي الزراعية؛ لتحويلها إلى أماكن سكنية لهم، خاصةً وأنّ موقعها ومناخها معتدل ومفضل للناس، كما يربطُ صلاح تضرّر البريّة بغياب سياسات إدارة النفايات؛ ما حوّل الغابة لمكبّ قمامة يؤدّي حرقها إلى عواقب وخيمة.

تقدّر السلطات المحلية في شحّات حجم خسائر حرائق عامي 2013-2014 في الجبل بنحو 7000 هكتار من الغابات الغنية بأشجار السرو والعرعر والبلوط والخرّوب وشجيرات البطّوم والمرسين والزهيرة، وتشكّل غابات الجبل الأخضر أكبر غابة في المنطقة من تونس إلى فلسطين.

غابة، خضرة، أشجار، أناس
إحدى سفوح الجبل الأخضر – تصوير: حسن امداوي

يروي سكّان المناطق القريبة من غابات الجبل الأخضر، كيف صار نادرا رؤية حيوانٍ مثل صيد الليل (الشيهم) أو الأرنب البرّي أو طيور أخرى، وإذا وجدتْ تظهر شاردة خارج الغابة ومعرّضة للاعتداءات؛ بسبب الفزع منها، فمن غير المعتاد بقاؤها في العراء دون غابة تُؤويها، وهذا مؤشّر خطِر آخر، يوضح نتائج فقد الأشجار التي ترافقت بفقد زواحف وحشرات وطيور لأعشاشها وموائلها.

وقد ضاعف غياب القانون وانتشار السلاح من إقدام من بيده القوة على تجريف غابة تمثل موردا ووجهة للجميع، وليس لأحد الحق في العبث بها؛ إذ لم يكن الحرق فقط ما خرّب الجبل الأخضر بل التجريف وقطع الشجر أيضاً.

وكذلك كان الحال مع المساحات الغابية الأقل حجما في القره بوللي (75 كم شرق طرابلس) كما أتت النيران على مساحات واسعة في محمية الشعافيين بمسلاتة (130 كم جنوب شرق طرابلس) الغنية بالنباتات العطرية والطبية.

اليوم، يشجّع صلاح وبصحبته متطوّعون كُثُر على تشجير المناطق المتضرّرة، وإكثار بذور الشجر الذي تناقص عددُه. تأخذ كلّ حملة تشجير؛ يومين كاملين على الأقل في موسم التشجير الذي يوافق يناير وفبراير حيث يكون طقس الجبل باردا ممطرا، لكن ذلك لا يُثنيهم عن إصلاح غابة يستفيدُ منها الجميع حتى أجيال قادمة.

جبل، تشجير، شباب، حملات
إحدى حملات التشجير بالجبل الأخضر – تصوير: حسن امداوي

الشماري وعسل الحنّون.. حلاوة الغابة المهددة

من بين شجيرات الغابة التي فُقد الكثيرُ منها بسبب النيران شجيرة الشماري البرية التي لم يثبت نموّها في أي مكان آخر في ليبيا سوى في الجبل الأخضر، لها ثمار برتقالية اللون حلوة المذاق، يمكن أكلها ناضجة أو تناول عسل زهرها ويُعرف محلياً بــ”عسل الحنّون“.

الشماري “ويسمى (القطلب) بالفصحى” له أنواع عديدة تنمو في شمال إفريقيا والأمريكيّتين، لكن ما يُميّز النوع الذي ينمو في الجبل الأخضر حلاوة مذاق ثمرته بعكس بقية أصناف العالم حيث ثمارها مُرّة أو لاذعة، ولشجيرته قدرة على تثبيت التربة ومقاومة الانجراف، ومن أجل هذا كله تعمل جمعياتٌ محلية ومتطوّعون محليون على حماية وإكثار الشماري.

نبات الشماري

زعفران الجبل.. موردٌ منسي

ومن أعالي الجبل في غريان، ثمّة قصّة أخرى عن الحياة البريّة أيضا، تبيّن القواسم المشتركة بين الطبيعتين.

تروي بعض القصص الشعبيّة عن تجارة اليهود الليبيّين للزعفران المحلي قبل عشرات السنين. وقد وثّقت كتب الفلورا الليبيّة نموّ الزعفران الليبيّ في سفوح جبل غريان بشكل كان يميّزُه ويلاحظه السكّان قبل عشرات السنين.

يصف كتاب (غريان في العهد العثماني) جودة زعفران غريان وتجاوزه في القيمة والثمن زعفران تونس واليونان “وكان النباتُ حتى حقبة الاحتلال الإيطالي مورد رزقٍ للسكان”.

صورة نبات الزعفران
نبات الزعفران، غريان – تصوير: مفتاح القريوي

يُفسّر أحمد عجاج الناشط البيئي من مدينة غريان، تراجع نموّ الزعفران بازدياد الرعي الجائر للرعاة المحليين، إلى جانب دخول التقنية في عمليّة الحرث التي تقتلع بصيلات الزعفران البري.

يُعدّ هذا النباتُ ذو الزهرة البنفسجية؛ وسيلة رزق مربحة لها أهمية علاجية، واستعمالات في وصفات الأطعمة والتوابل، لكنّ العمل عليه حِرفة تتطلّب صبرا وخبرة، ولعلّ هذا من أسباب عدم اهتمام المزارعين المحليّين به مذ رحل التجّار اليهود، وما تلى ذلك من تغيّر الحياة الاقتصادية بعد اكتشاف النفط، وتراجع اتجاه الناس للحرف اليدوية.

يقتصر فهم البعض لحماية الحياة البرية على يوم تنظيف أو حملة تشجير مرّة في السنة، والبعض يعدّ التصدّي للصيد الجائر أو حماية الغابات كماليّاتٍ سنعتني بها لاحقاً؛ لكنّ الأمر يتطلب منّا فهما أعظم للحياة البرية وأهميّتها.

إذ أي تلوّث في الهواء أو أزمة صحية أو بيئية تُثبت أن الأمر أكبر من ذلك؛ فمن البيئة يأتي كلّ أكلنا، وأكل الحيوانات التي نتغذّى عليها، فهي بحاجة لبقاء كائنات وحشرات ونباتات أخرى لسلامتها وسلامة كل السلسلة الغذائية والنظام البيئي، وعدم ظهور أمراض وتقلّبات لا نعرفها نتيجة خلل التوازن.

إنها حياة برية خلقَها الله بقدَرٍ لتكون ثروة وموردا مستديما، ومعادلة بسيطة بأن نحافظ عليها؛ لنحافظ على سلامتنا، ومن هنا كانت البيئة جزءاً من أهداف التنمية المستدامة.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (9)

  1. اختي الفاضلة نجزى وهيبة تحية تقدير ومودة وبعد اختي الفاضلة اغتيال الطبيعة والبيئة والبيوت القديمة والتراثية والجبال الصخرية تحت مسميات تطوير كاذبة وماشابه هي اغتيال للهوية الوطنية وللديموغرافيا الوطنية والسياسية وهي لاتقل خطورة عن تمييع وعدم دسترة فك الارتباط ووضع الحبل على الغارب للتجنيس والتوطين واقصاء الزعامات العشائرية والقروية الممثلة حقيقيا في النسيج العشائري المتين ووضع زعامات شبه اقطاعية وكرتونية عبارة عن ديكور فاقدة المصداقية تكون العوبة بيد الكومبرادور والتجنيس فكم أرى فيكي اختي الفاضلة نسخة ليبية من اخوات الرجال رلى الحروب وناريمان الروسان وخلود الخطاطبة وفاتنة التل فلكي كل الاحترام اختي الفاضلة

  2. اختي الفاضلة نجوى وهيبة سبق وان اشرت لكي في صفحتكي ميكريفون نجوى في مقالين لكي عن كولومبيا ففي المقال الأول كان لكي تحليل والمقال الثاني تحليلا متخلفا بعض الشئ وهذا هو لب الاديب والكاتب المثقف الخلاق المحب للبحث عن الحقيقة وسبق ان اشرت اليكي انكي اقرب للفكر العلمي الجدلي من حمقى أمثال فؤاد النمري ومطلب العلمي فتنقيح مقالكي الثاني ومراجعة الذات بشجاعة لتصحيح معلومات ناقصة وغير مكتملة في مقالكي الأول فانتي تسيرين بالشكل الصحيح للفكر العلمي الجدلي الذي قال عنه الشهيد ناهض حتر في لقائه في برنامج وثائقيات حينما كان يقول الذي يغير مبادئه هو شخص انتهازي صحيح وبنفس الوقت قال جملة رائعة جدا اما الذي لايغير مواقفه ويجددها طبقا لحسابات معقدة وتغيرات كيية وكمية فهو انسان جامد وميت سريريا فكريا وغير قابل لسيرورة التاريخ والمعرفة فلكي كل الاحترام يا اختي الفاضلة

  3. الشماري رائع للاسف هو مهدد تهديد خطير ومافيش تنبيه كافي بأهميته برغم انه من كنوز الجبل الأخضر..تحياتي أنسة نجوى

  4. مفروض يقاضوهم اللي خربو الغابات وحرمونا من نعمة الهوا الصافي جريمتهم لن تسقط بالتقادم. شكرا نجوى عالمقال القيم كالعادة

  5. اختي الفاضلة نجوى وهيبة للاسف كل الطرق من كل الاطياف تؤدي الى طمس الهوية الوطنية والتجنيس وعدم دسترة فك الارتباط وتمييعه الى حد كبير فتدمير غابات الجبل الاخضر الحبيب تذكرني بمحو معالم قرية ام الكروم وتغول شركة لافارج الكومبرادورية على اراضي الفحيص الحبيبة وتدمير غابات برقش وتدمير الصوامع في العقبة ولكن اختي الفاضلة نجوى من ميزة اردننا الغالي انه كما وصفه الشهيد ناهض حتر انه مجتمع نصف بدوي ونصف فلاحي فهو ليس مجتمعا فلاحيا بحتا كفلسطين وليس مجتمعا بدويا بحتا كليبيا وهذا ماقاله الشهيد ناهض حتر في كتابه المعزب رباح فالاردن ليس ليبيا وليس فلسطين فلذلك تحتاج ليبيا الى نسخة ليبية من الشهيد ناهض حتر ولكن بخصوصية ليبية لان نظرية التماثل نظرة مثالية ذاتية غير علمية وجدلية ولكي كل الحب والاحترام اختي الفاضلة نجوى

  6. الغابات نعمه من رب العالمين و من الواجب علينا المحافظة عليها و مشكورة انسه نجوى على الموضوع احسنتي النشر

  7. اختي الفاضلة نجوى وهيبة تخريب غابات الجبل الأخضر الحبيب تذكرني بتدمير صوامع العقبة وتمدد شركة لافارج الكومبرادورية على أراضي الفحيص عن طريق التعزيم وكذلك تذكرني بجرف غابات برقش فاغتيال الطبيعة والمعالم التراثية لاتقل خطورة عن تمييع وإلغاء دسترة فك الارتباط ووضع الحبل على الغارب للتجنيس والتوطين لمن هب ودب بحجج إنسانية تارة وحجج قومية وعروبية واممية تارة أخرى بمباركة كومبرادورية رغم اختلاف الشعارات فكم أتمنى اختي الفاضلة ان يكون هناك نسخة ليبية من الشهيدين الخالدين وصفي التل وناهض حتر بخصوصية ليبية تراعي الاختلاف بين ليبيا والأردن الغالي فبالنسبة الى بلادي الأردن الغالي فهي بلاد نصف فلاحي ونصف بدوي كما وصفها الشهيد المفكر ناهض حتر في كتابه المعزب رباح فالاردن ليست بلد فلاحي بحت كفلسطين وليست بلد بدوي بحت كليبيا فليبيا تحتاج الى وصفي وناهض بخصوصية ليبيا لان نظرية التماثل نظرة مثالية ذاتية غير علمية ولكي كل الحب والاحترام اختي الفاضلة نجوى وهيبة