بالنظر إلى أعمار قتلى الحروب؛ نجد أنّ نصفهم على الأقلّ من الشباب، فهم وقود الحرب وأوّل ضحاياها - Huna Libya
الشباب والموت article comment count is: 0

العائدون من الموت

الحربُ ذاتُها مأساة، لكن الأمرَ الأكثر مأساوية ومرارة هو أثر الحرب. ذلك الدمار الذي تُخلّفه بعد مرورها.

ماذا عن الأثر النفسيّ للحرب؟ عائلة فقدت أحد أفرادها، أمٌّ ثكلى أو أرملة، طفلة تيتّمت قبل أن تبدأ حياتها، مقاتل عاش تجارب صعبة في الحرب، شاهدَ الموت أكثر من مرّة يأخذ أحد رفاقه، أو يترك فيه بصمة من إصابة تفقده أطرافه، أو تترك فيه ندبة تذكّره بأنّه عائد من الموت.

الرصاصة لا تزال في ظهري

أحمد أبوصبع طالب طبّ، يروي تجربته مع الحرب والموت:

“أصبت مرتين، الأولى كانت طفيفة على مستوى الفخذ خلال حرب 2011. والثانية الأكثر جديّة أثناء أحداث غرغور بمدينة طرابلس 2013. في الإصابة الأولى كنت مقاتلا صغير السنّ”.

يبتسم أحمد ويواصل حديثه: “في الثانية دفعتني رغبة الاطلاع فتقدّمتُ ليلا مع صديقي ناحية تظاهرة، ثمّ عندما بدأتْ تحدث إصابات نتيجة إطلاق النار؛ تحوّلت إلى مُسعف أقوم بنقل المصابين خارج منطقة الاشتباك. تقدّمنا أكثر نحو الأحياء السكنيّة وعند أحدها والذي كان فارغاً رغم وجود أثارٍ كحقائب ومعدات لمقاتلين؛ فجأة ظهر مسلّحون من أعلى سطح مبنى مقابل لنا وانطلقت الرماية العشوائية. تفرّقنا جميعاً وفي لحظة ما فقدت الوعي دون أن أشعر بإصابتي التي كانت على مستوى الصدر”.

يسترسل أحمد سرده، فيقول: “استيقظتُ لحظاتٍ لأشاهد من يحاول إسعافي وظنّ أنني ميت، قبل أن يقوم بإنعاشي لأعود وأفقد الوعي من جديد. وأستيقظ في مستشفى أبوسليم للحوادث بعد أيام، على طبيب يخبرني بأني محظوظ لأن رصاصة اخترقت الرئة واستقرت في العمود الفقري قبل أن تتجاوز القلب، ورغم ذلك لم أشعر بشيء حقيقة، الرصاصة لا تزال في ظهري

شاب يظهر مبتسما وهو يستقبل شابا آخر
أحمد أبوصبع

خلال آخر تقرير صدر من منظمة الصحة العالمية مُنتصف يوليو الماضي، حول الحرب الأخيرة بطرابلس (حرب أبريل 2019) والتي تدخل شهرها السادس، تناول التقرير أعداد القتلى والذي وصل إلى 1093 شخصاً، من بينهم 106 مدنيّين، وإصابة 5752 شخصاً بينهم 294 مدنياً، إلى جانب نزوج أكثر من 100 ألف شخص.

الحرب: ضحايا دون رعاية

وعن الرعاية الصحيّة التي تلقاها أحمد يقول:

“كنت من المحظوظين القلائل، الذين تمّ نقلنا إلى إيطاليا للعلاج. بقيتُ هناك ستة أشهر، أجريتْ لي هناك عِدة عمليات وعلاج طبيعي لتنشيط الأعصاب. فلقد فقدتُ الحركة لفترة طويلة، والأطباء هناك وجدوا أنّ إخراج الرصاصة غير ممكن خلال فترة قريبة حتى يتعافى البدن رغم إمكانية إخراجها في لحظة الإصابة ولكن تعذر ذلك على الطبيب المناوب وقتذاك”.

يتحدّث أحمد عن الوضع ما بعد إصابته فيقول:

“حاولتُ العودة لدراسة الطبّ بعد توقف دام أربع سنوات، لكن الأمر لم ينجح لكثرة المجهود وطول مدة دراسة الطب. حاليّا، أحاول العيش دون بذل مجهود بحسب نصائح الأطباء، والعائلة تقدّر ذلك”.

بعد عودته من الموت: الحرب ليست حلا

سألنا أحمد عن رؤيته للحرب بعد خوضه هذه التجربة، وعن الفرق بين ذهابه مُقاتلا عام 2011 ومُسعفا عام 2015 وبقائه في المنزل خلال الحرب الأخيرة. فقال:

“كنتُ صغيرا وقتها ومشحونا بعاطفة، وأرى اليوم أن أكثر المحاربين من الطرفين صغيري السن ممن تربّوا وسط أجواء السلاح ويعتقدون بجدوى خوض التجربة. العائلة هي الأساس والموجّه، خاصّة فترة المراهقة، يجب تذكير الصغار بأن الحرب ليست حلاً، رغم وجود إغراءات للبعض من مال وسلاح. ولا أعتقد أن هناك من يحارب لأجل قضية إلا استثناءات بسيطة، الحرب العادلة هي التي توحّد الشعب والبلاد وليست ما حدث ويحدث اليوم “.

شاب على سرير طبي في، مصاب، في المستشفى
مروان العفيف أثناء تواجده بالمستشفى.

الناجي من الموت: الحرب لا تحقق شيئا

“مروان عفيف” خرّيج هندسة، يصف لنا ما مرّ به من تجربة عصيبة وصعبة، فيقول:

“أصبتُ شهر أبريل خلال حرب 2015. كانت الحرب بالقرب من منطقتنا، وكنتُ أقود سيارة عسكرية؛ لينفجر صاروخٌ وأنا داخلها، شعرتُ بشيء اخترق رقبتي. كنت واعيا لكل ما يحدث، فتحتُ باب السيارة ونزلتُ ثمّ تقدّم منّي أشخاص قاموا بإسعافي سريعا وإرسالي إلى مستشفى الزاوية”

ويضيف العفيف: “خلال هذه الفترة كنتُ أفتح عيني وأشعر بكل شيء، ثم فقدتُ الوعي. إحدى شظايا الصاروخ اتجهت من رقبتي نحو صدري لتمزّق رئتي وتقف أمام الضلع المقابل لقلبي”.

يسكت العفيف قليلا، وكأنّه يستحضر الذكرى، ثمّ يغيّر الموضوع، ليحكي لنا قصّة علاجه:

“تمّ إرسالي إلى تركيا بعد يومين من بقائي في العناية المركزة، وبعد أسبوع هناك بدأتُ أستيقظ وأقف وأتحرّك بشكل طبيعي”. وعن تأثر العائلة وتجربته عليهم، يقول: “تأثرتْ عائلتي كثيراً بإصابتي في حربٍ لم أحصل على شيء منها فما زلتُ أعيش بذات الوضع وقتها، لكنني تعلّمت الدرس جيداً، فالحرب لا تحقق أيّ شيء”

هيئة شؤون المحاربين

أسوة بالدول التي خاضت الحروب، تم تأسيس “هيئة شؤون المحاربين” بعد انتهاء حرب 2011، وذلك لتأهيل المقاتلين ودمجهم في المجتمع من جديد. برنامج الهيئة يقوم على إيفاد الطلبة في الخارج لاستكمال دراستهم، أو دعم أصحاب الحِرف والمهن لتأسيس مشروعهم الخاص، شرط تسليم السلاح.

فكرة إدماج المحارب في المجتمع بعد إعادة تأهيله، مهمّة جداً لولا أنّ الهيئة فجأة ترهّلت وأصبح عدد المسجلين بها يتجاوز 200 ألف محاربا. وهو رقم غير دقيق مقارنة بمن حمل السلاح عام 2011. وبدأت الهيئة بالعمل مع مؤسسات الدولة، لكن الأمر توقف على عدد محدود من المستفيدين، ودخلت البلاد دوّامة جديدة من العنف والحروب، ويعزو “أحمد أبوصبع” وهو أحد المسجّلين بالهيئة هذا التراخي لعدم جديّة المؤسسات الحكومية لتأهيل الشباب واقتصار دورهم على الحروب المجانية التي تثبّتهم في أماكنهم وتزيد من معاناة الشباب”

خاتمة

بالنظر لأسماء وأعمار القتلى خلال الحروب، نجد أنّ نصف العدد وربما أكثر هم من الشباب، وقود الحروب في كل زمان، وأوّل ضحاياها والمكتوين بنارها، فيعيش اليوم كثيرون في وضع متدهور صحيّا، من المصابين الذين لم يجدوا العلاج المناسب لهم في البلاد جسديا ونفسيا. ولم يتحصّلوا على فرصة للعلاج. تحاول أسرهم تأمين المال في ظل ظروف صعبة تعيشها البلاد، مما يطرح السؤال المتجدّد… ما جدوى كل هذه الحروب؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (0)

  1. المفذون ( المقاتلون ) هم مجرد أدوات لرجال الفكر..و كما قال أحمد العائلة هي الأساس..نسأل الله الرحمة لمن قضي نحبه و الشفاء للجراحي و عودة المغيّبين قسراً و المهجرين و أن يعمّ السلام ربوع وطننا الغالي..أحسنت يا مروان

    1. يا ريت يعلم ابناء واظني ما تخلفه الحرب دمارااااا نفسيا وقتصديا وصحيا ولا حول ولا قوة الا بالله علي العظيم