الروابط الإنسانية وقبحها الجميل
article comment count is: 0

مفتاح كيافي يكتب: ليبيا.. زمن القبح الجميل

يعاتبني أحدٌ ما – من فترة لأخرى – بخصوص اللقب الذي أستخدمه لكتابة المقالات، وقد يتضمن العتاب بعض الإيحاءات المبطنة، شيء من نوع أنني جبان، أو لست فخوراً كفاية بلقبي الحقيقي، “لمد” أو “ص ش ” أو مجرد كلب آخر ينكر أصله كما يقال، والحقيقة أن الأمر أقل تعقيداً من ذلك بكثير.

فأنا لم أتعرف على هذا اللقب (الحقيقي) أو القبلي الملحق باسمي إلا خلال دراستي الثانوية، لم أكن أعرف عنه شيئاً قبل ذلك، ولم يكن الأمر مهماً من الأساس، فقد عشت وقتها سبعة عشر عاماً من دونه، ومن دون أية رابطة أو منفعة قد يحققها هذا اللقب. وبدأت حكاية تعرّفي عليه بمعركة بين قبيلتين ليبيتين حينها، راح ضحيتها ثمانية وعشرون مواطناً، كان ذلك في زمن الأمن والأمان، وبالرغم من بعد المعركة عن بنغازي إلا أنني شعرت ببعض الحيرة والخوف، وسألت والدي: “شنو قبيلتنا نحنا؟”

“شنو هالسؤال؟”.. رد هو. أجبته أنه سؤال مهم لتجنب أية “طبيخة ما يعلم بيها إلا ربي”، وأجابني أننا من عائلة أو قبيلة كذا، وأنها تسكن تلك البقعة في ليبيا، وقتها لم يكن أيٌ منا قد زار هذه المنطقة في حياته، وتركنا الأمر عند ذلك الحوار الصغير.

وبعد سنة كاملة أخبرنا صديق والدي أن وفداً مهماً سيزورنا في البيت قريباً، ولم نفهم شيئاً إلا أنّ قطع اللحم يجب أن تكون “إكسترا لارج”، وفعلاً، وصل إلينا ذاك الوفد الضخم، وكان اللحم أكبر من رأسي، وقمنا بواجب الضيافة لثلاثين إنساناً، متفاوتين في الأعمار، لكن الزعيم كان واضحاً جداً، أطلق عليه أخي الأصغر وقتها لقب “”Godfather، كان رجلاً مسناً ذو كاريزما من نوع ما، أظن مصدرها الحقيقي يكمن في معاملة البقية له، كانوا يركعون بقربه ويتمتم هو في آذانهم ويقبلون يده ورأسه من حين لآخر، كان الضجيج فظيعاً، فالجميع يتحدث في نفس الوقت في انسجام تام، وكنت أتبادل النظرات من وقت لآخر مع والدي، كان ضائعاً هو الآخر.

وفجأة “تنحنح” السيد كورليوني وصمت الجميع تماماً، وبدأ بسرد سيرة جدنا الأول الذي رحل من موطنه ولم يعد، وتحدث عن كوننا أبناء عمومة لهم وتربطنا صلة دم، وأنهم سمعوا عنا من صديق والدي وأرادوا أن يلتزموا بصلة الرحم، وأخبرونا أن لدينا أراضٍ شاسعة وخضراء، وهي من حقنا متى طالبنا بها. كنت أنا في تلك اللحظة أقوم بواجب الضيافة المنوط بالابن الأكبر حسب فهمي له، أقرّب كوب عصير هنا وأضع صحن فواكه هناك وهكذا، وكان الجميع يخاطب والدي: “هذا ولد الكبير مفتاح! راجل ماشالله.”، وكان والدي يبتسم بلطف، لأنه يعرف أنني مش راجل واجد، وأنني بالكاد أقضي له مصلحة واحدة في الدنيا، وأنني لا أروقه كثيراً.

المهم، رد والدي بالترحيب والشكر على البادرة الطيبة، وأعلمهم أن أي أملاك لا علم لنا بها هي من حقهم وليس لنا بها شأن. والحقيقة أن الأمر كان ممتعاً لحد كبير، لا أدري كيف بدأ الحديث عن الزواج، لكنني أتذكر رأي شيخ القبيلة جيداً: “اللي يزّوز ضروري يكون عنده حوش بروحه، بيش الولية تاخذ راحتها، مرات تبي تلبس قاميتشه والا اتدير حِمّير.”، ولم أصدق أنه قال ذلك واستغليت الفرصة لأضحك في وجه والدي، كنت فخوراً بقبيلتي المنحلة جداً، ولم أهتم لقصص حروبهم ضد الطليان، بل بكونهم رفضوا الذهاب إلى مكة والموت في الصحراء، وبنوا كعبتهم الخاصة على أرضهم، وأنهم لم يكونوا مهتمين بعذرية المرأة ليلة الزفاف. كانت قبيلة جميلة حقاً.

ما أريد أن أشير إليه هو أنّ بعد الإنسان عن القبيلة بشكلها النمطي الذي تحدده صلة الدم، لا يعني أبداً أنه متمدن أو ليس قبلياً، فالإنسان قادر على أن يحقق روابط أقوى وألعن في أية صورة، ويخلق حولها هالةً من التعصب والجهالة، أعني أنني قد لا أهتم بشأن قبيلتي، ولكنني قد أكون متعصياً وقبلياً جداً عندما يتعلق الأمر ببنغازي أو طرابلس أو إحدى قرى ليبيا البائسة، أو الرابطة التي تقوم عليها داعش اليوم، وهنا يكمن الشكل الحقيقي لكذبة التمدن في ليبيا، فالتمدن عندنا شأن شخصي جداً، يفتقده عميد طرابلس “بوطاقيّة” ويتنفسه ابن الكهوف أحمد يوسف عقيلة روحاً وقلماً.

وبقية العالم ليس أفضل منا حالاً، إذا تجاوزنا البهرجة والمظاهر الخداعة، فلم يوجد في العالم قبيلة أكثر قبحاً من قبيلة أمريكا الحديثة جداً، عيت وول ستريت تحديداً، إنه زمن القبح الجميل.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية