كآبة بعد الحرب
article comment count is: 0

علاء الدين قاسم يكتب: لنتحدث عن كآبة ما بعد الحرب!

يبدو الحديث عن كتابة هذا المقال الخاص بكآبة ما بعد وأثناء الحروب من العبث، كون الأمر لا يحتاج إلى التعريض حوله بقدر ما يحتاج إلى التعريض عنه؟ لن أتحدث عن سياسة الحروب أو عن مسبباتها بل عني وعنك، هل أنت مرتبك؟ إذن،  لديك سبب حقيقي الآن لقراءة ما تبقى، ووضع المسدس الذي كنت تضعه على رأسك جانباً لبعض الوقت.

(بوووم) كان الصوت المنادي باندلاع  أتون الحرب في بنغازي منذ أربعة أعوام، تبدل في أثنائها مناخ المزاج الاجتماعي في المدينة من الخوف إلى الجزع والترحاب فالفرح فالقنوط فالكآبة، تأرجحت خلالها آمال المجتمع البنغازي في تغيير الأوضاع (آه التغيير! لهي كلمة ذات دلالة أفيونية لا نكاد نفرغ من احتسائها في كل مراحل القنوط). ولكن وعلى ما يبدو فإن رياح (التغيير) لم تشمل كل شيء، ولكون المدينة تخضع لنظام الدولة الكل؛ فهي تعانى بشكل أو بآخر من عوارض الأمراض السياسية في باقي أطراف البلد وخاصة العاصمة.

ومن هناك وعلى بعد ألف كيلومتر تقريباً غرب المدينة  في مبنى حجري عتيق، أفلت  أول عفاريت اليأس وأكثرهم سطوة (التردي الاقتصادي) إذ لا تزال سياسات المصرف المركزي في حالة تخبط فيما يخص الوضع الاقتصادي الليبي.

غلاء الأسعار وقلة السيولة والطوابير والطوابير الأخرى، والعديد من الطوابير، وادفع لي وادفع له وادفع لي وإلا 40% “خوذ ولا خلي”، ضوضاء الفوضى الاقتصادية التي تمازجت بريادة التجار الذين تكالبوا على لحم المواطن الرخيص مزقت جيوبه، تمزق يظهر في الوجوه المكفهرة العابسة أو الابتسامات الخافتة الباهتة.

لكم ترددت كلمة الاكتئاب كثيراً على مسامعي أو على مرمى عيني في الأحاديث الخاصة، ولربما أنا مخطئ.  وإنما هي تلك الحالات التي مرت حول دوائر المعارف التي أقيس عليها لعدم توفر دراسة يمكن الركون إليها بشكل رسمي أو تقريبي حول من يعانون من الاكتئاب. وفي هذا الخصوص تستجلب ذاكرتي مفهوم  الصدمة الجمعية collective trauma والتي صدحت أول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية عقب تعرض إحدى البلدات لفيضان طمس معظم معالم البلدة وخلف الكثير من الضحايا، لكن الصدمة الأكبر تمثلت فيما بعد الكارثة، والتي تمثلت في الاكتئاب الجماعي الذي شمل معظم سكانها. أترى  هو ذات الحال هنا؟.

لا يمكنني أن أبرهن على وجود هذا الأمر رغم تقارب الظروف لسبب أسلفت ذكره، الأمر لم يقتصر على طبقة البروليتاريا فقط (إن وجدت هذه الطبقة حقاً) كون أن معظم سكان البلد يقتاتون من أموال الحكومة دون عمل شيء يذكر في الحقيقة، عموماً لم يقتصر الأمر على المجموع الأعظم فقط بل شمل حتى الكتاب والفنانين، فمنهم من غاب أو تغيب أو غُيب كل وفق اجتهاد أعدائه.

الكآبة أم اليأس؟ تقسم أوروبا أدب المدرسة العدمية السوداوية بين ما قبل الحرب العالمية وما بعدها، هذا التقسيم كانت له أسبابه المنطقية، إذ أن كثير من رواد المدرسة الأخلاقية الهيغلية أصيبوا بالصدمة لما آلت إليه الأمور خاصة في أوروبا فيما وصف بالجنون الأعظم، ففيما قتل  بعضهم  في الحرب قرر الآخرون إنهاء حياتهم لظنهم بأنها نهاية العالم، أمثال الروائي النمساوي ستيفان زفايغ، إذ لطالما مثلت الحرب الأرض الخصبة للإبداع، ولكن أيضاً خصبة للإبداع السوداوي!.

وعلى نفس القلم يمتد اليأس إلى أقلام  مثقفي بنغازي، إذ يمكن التماس السواد بشكل واضح وتذوق السارتية الكاموية العدمية فيما يكتبون، فيما غابت شمس البعض الآخر خاصة أولئك من عرف عنهم كتابة نصوص الحب والرومانسية. آه لو كان أرثر شوبنهاور حياً، لكان سيكون سعيداً بهذا الأمر، فالبعض يكتب الأمس في كتاب ما والبعض الآخر يكتب غده في قوارب الهجرة! (هل رأيت أيها القارئ عروض الهجرة غير القانونية على قروبات الفيس بوك؟) أصبح الأمر شبه تجارة طبيعية تخضع لعوامل الطلب والعرض. حسناً انتهى المقال الآن، يمكنك التقاط المسدس الان والضغط على الزناد.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية