كاريكاتير عبد الحميد القماطي
article comment count is: 0

صالح قادربوه يكتب: التمييز بيعطيك جوانح!

في شوارع عديدة من العاصمة الليبية تجد مكتوبا بالطلاء الأبيض فوق (سرانتيات) محلات ذات لون أخضر: غيّر اللون.. ففي اعتقاد الشعور الثوري الفبرايري أن اللون الأخضر هو رمز لفترة القذافي ودليل على الولاء له أو الحنين إليه أو الحياد المريب تجاهه، وهو ما يدخل بلا شك في خانة التمييز؛ حتى وإن كان الشعور الثوري السبتمبري قد أجبر هؤلاء الباعة والتجار على طلاء السرانتيات باللون الأخضر. إنه الإرغام العقائدي في كلتا الحالتين، مستندا إلى الفكرة الثورجية التي تميز (من هو مع) عن (من هو ضد) فقط حسب لون السرّانتي!

هناك حالة أخرى من التمييز لا تعتمد على اللون بل على العرق، فبعد شتاء 2011 واندحار حقبة الجماهيرية عقب صيف نفس العام؛ ظهرت الدعوى لتحليل الحمض النووي لكل ليبي بأخذ عينة من اللعاب (غير الملعوب فيه) وإرسالها إلى مختبرات خاصة فيما وراء البحار لمعرفة أصحاب الأصول الليبية النقية ممن أصولهم وافدة – حتى وإن كانوا في ليبيا منذ قرون عديدة ومات جدودهم دفاعا عنها في حروب صد الهجمات الاستعمارية المتعاقبة –  تحت دعاية النسب الصحيح مع إخفاء غير متقن للغاية الحقيقية وهي النسب النقيّ؛ مما يميز الليبي القح عن الليبي المغشوش والمخلوط والملقّم، لأغراض تتعلق بالأساس بالتمييز لمن هو أنقى وأكثر تفوقا وعراقة وأصالة عمن هو درجة ثانية في سلم الأحقية فقط حسب تحليل حمض السلالة!

هنالك ملاحظة صغيرة وهي: نحن شعب متهكم، لا نترك أية فرصة سانحة أو بارحة إلا وسخرنا منها، ومن كل شيء وأي شيء، انطلاقا من شعور فردي داخل كل منا بأنه الصواب والكمال والمثال والغزال.. إلخ، وغيرنا ذوو عيوب حتى وإن كانوا أبرياء عفويين أو مجتهدين أو (غرنديزرات). وكل ليبي في يقينه أنه هو الإنسان المختار إذا صح التعبير الملطّف.

لن يكون صعبا رصد أشكال متعددة تعددا رهيبا للتمييز في ليبيا؛ هناك التمييز الطبقي والفئوي والشللي والمعرفي الثقافي، وهناك التمييز الأمني، وطبعا الأيديولوجي الحزبي والديني، ناهيك عن التمييز بناء على الجهة والإقليم والخلقة والخلق.. إلى حد أننا ننكل بمن ابتلاهم الله بالإعاقة فنتندر عليهم في نكاتنا المريضة، بل وبقبائل معينة وأماكن معينة وطرائق معينة في التواصل والعمل واللعب واختيار نوع الموسيقى وصنف الأكل، ويبدو أننا مجتمع يخاف من التنوع لدرجة أنه يحتقر كل جديد ومختلف ويرفضه في دورة تمييزية تصل إلى التنكيل.

يمكن لمن هو ليس منا أن يفتح أي صفحة على الفيسبوك تخصّنا، وسيرى دون جهد وتعقب هذا التدفق التمييزي الصادم من صنبور الذوات التي تربت على نفي كل ما يخالف الهوى، وتجريمه وفي أفضل الأحوال الحط منه وإهانته أو إنكاره، مع الاحتفاظ بهامش ضروري موجود من أشخاص أسوياء رغم كل هذا الانحراف المخجل.

ثم وصل الأمر إلى اللباس والهيئة.. وفي بلد كليبيا، كل تقييم يصاحبه في الغالب استخدام السلاح سيخلّف حصيدا من القتلى الذين لا يتوافق لباسهم وهيئتهم مع الفورما والوصية، حتى لأسباب هرمونية محضة أو أخطاء في أعمال الخياطة ومهارات الترقيع، وهو ما يمكن تسميته بالتمييز بناء على البُصَيْلة والمقصّ!

نحن مجتمع يعيش بالتمييز؛ من شكله المباشر الذي يعتبر الأسود والملوّن عبدا ودونيا والأبيض شريفا مؤهلا للقيادة، إلى حالات غرائبية وغير مسبوقة من تحقير يطول المغاير ولو كان جمادا أو حيوانا، فنحن بالتأكيد من بين أكثر الشعوب المعاصرة مهارة في فنون الإيذاء اللفظي والنفسي والجسدي المشرعن بالقبول والمباركة العامة؛ انطلاقا من وهم التفوق تجاه كل آخر، تتدرج حدته من الأقرب فالقريب ثم البعيد فالأبعد.. وما خفي وما هو مسكوت عنه أشد إيلاما وأدعى للحسرة لغياب العقل والتأدب أو حتى الندم، وما أبرّيء نفسي.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية