عيد الحب
الحب عن بعد article comment count is: 10

ليبوتاليا: قصة الأرض الثالثة.

ضمن زاوية زرقاء اللون داخل مقهى بحري صغير، أجلس وأزاول عملي اليومي في حي المرسى في تونس، فكوني صحفية لموقع أخبار إيطالي وهو معني  في ذات الوقت بالوضع الليبي الحالي، يلزمني هذا التعاون مع صحفيين ونشطاء ليبيين ولكن أنا هنا أعيش كالماريونيت الذي يفتقد الحركة والرقص والروح معاً. فما بين نوستالجيا ليبيا العام الماضي وما بين جواز سفر إيطالي، اخترت العيش على أرض ثالثة لربما تقربني منه جغرافياً وحميمياً، هنا أستمتع باللهجة الليبية للجالية المقيمة، أقضي أوقاتا معهم وأرى في كل واحد منهم صورة جميلة تذكرني به.

يوبخ كل منا جواز سفره والحدود الفاصلة بين الدول والقوانين المعقدة، فالحب عابر لكل هذه الحواجز لا يعرف التفريق أو إحكام السيطرة على نفسه

البداية كانت منذ ثلاث سنوات عن طريق التراسل عبر الفيسبوك، كنا نتحدث بانفتاح عن الانتماء والوطن والحروب والمفقودات التي لم نجدها في هذا العالم، ولم يخلو حديثنا أيضاً عن طاقة الحب التي نملك وبعض الأغاني التي نحب؛ كان أحياناً يراسلني فقط بمقتطف قصصي قصير أثناء انشغاله بعمله، كانت الفترة الأكثر جنوناً، وكان للخطأ معه وجه جميل، لم أضع أي توقعات لعلاقتنا، كنا فقط نعيش كل لحظة بانفصال عن التوقعات المنطقية والمجتمعية وحتى الحدود الجغرافية. ليبوتاليا

ولكن  الحدود الجغرافية لم تكن تحدياً سهلاً، فأنا كمواطنة إيطالية يلزمني الدخول إلى ليبيا بتأشيرة سياحة أو عمل حيث يعتبر نيلها أشبه بالمستحيل -وعند الضفة الأخرى من المتوسط هو مواطن ليبي له الكثير من العوائق لكي يحصل على تأشيرة شينغن- ولك أن تتخيل محاولاتي العديدة للحصول على التأشيرة. يوبخ كل منا جواز سفره والحدود الفاصلة بين الدول والقوانين المعقدة، فالحب عابر لكل هذه الحواجز لا يعرف التفريق أو إحكام السيطرة على نفسه. ولكن بعد محاولات مرهقة للتقديم على التأشيرة الليبية، ها أنا نلتها أخيراً.  

أُفتتنت بطرابلس ومدينتها القديمة كما أفتتنت به، وإلى اليوم أحتفظ بلوحات وهدايا من طرابلس القديس

كان الأمر غاية في الإرباك، البلاد تمر بحرب وأنا لا أعرف أحداً سواه فيها، كيف لي أن أذهب وماذا يمكنني أن أفعل؟ ولكني قررت تتبع قلبي -كعادة كل النساء في هذه الحالة- سارعت بحجز التذكرة من ميلانو إلى تونس ومن ثم إلي طرابلس – الجميع يعلم أنه لا طائرات مباشرة بين إيطاليا وليبيا ولا حب مباشر أيضاً- كل المفارقات بيننا هي مفارقات صنعها البشر قبلنا لكي يقيدوا من سيأتون بعدهم، وفي مشهد وديّ أحتضن فيه ملابسي وزينتي وكل مجوهراتي وأضعها في حقيبة السفر، وأستجدي كل قطعة فيها بأن تظهرني جميلة أمامه، لابد أن أكون جميلته الوحيدة.

كنت قد حضرت كل شي، وها هو اليوم المنتظر، حلقت من ميلانو إلى تونس وصولاً إلى طرابلس، عندما هبطت الطائرة كانت مشاعري مختلطة ما بين شوق وخوف وصدمة وترقب صامت.

للأسف لم يأتي إلى المطار لاستقبالي وكانت خيبة أمل أولى بالنسبة لي  -ولكن وبعد خمس ساعات من وصولي في الباحة الرئيسية لفندق الودان كان احتضانه لي أجمل مشهد قد يوضع في دور عرض السينما-  حدث ذلك وسط جمع من الناس، احتضنني وقبّلني رغم أن هذا غير مقبول في ليبيا ولكنه لم يكترث لهذا.

تنظر لهاتفها النقال، تتفحص صورة لطرابلس

 صرت أبكي ولم أصدق أنني أخيراً معه، وبين ذراعيه، أنني ألمسه. قررنا تقضية أوقات لحظية أشبه بالحلم المؤقت كان فيها الرجل الحاضن بل الشريك والصديق وكل شي، أكلنا الكسكسي وتحدثنا وزرنا أماكن عديدة سوياً، أُفتتنت بطرابلس ومدينتها القديمة كما أفتتنت به، وإلى اليوم أحتفظ بلوحات وهدايا من طرابلس القديسة.

بعدها استيقظت من الحلم المؤقت -وياله من مؤقت- بدأت المشاكل تظهر على السطح، فكان يطلق الوعود بشكل مستمر لي بأننا سنكون سوياً في أقرب وقت ممكن ولكن كان الأمر جداً صعب -لا يمكنني تصور بناء علاقة عن بعد فأنا بشر أحتاج لوجوده معي يومياً- مكالمات الفيديو لن ترضيني ولو بنسبة 1٪.

حتى مشاكلنا على الهاتف كان لها ردود أفعال غير صحية كوننا بعيدين، لا نتواصل بالكلمات وملامح الوجه ولغة الجسد فكل هذا مفقود في حوارنا لمجرد بدء أي نقاش عادي يومي

أصبحت التعثرات تزداد بسبب اختلافات شخصية تعود إلى تراكمات ثقافية بيننا – كنت في بادئ الأمر أجد هذه الاختلافات قيمة مضافة لعلاقتنا، ولكن أصبح الأمر يزداد تعقيداً لمجرد تواجدنا بعيدين، وحتى إن كنا قريبيْن لبضع أيام فصعوبة التواصل حتى في مكان عام في طرابلس أصبحت يومية؛ فأجد نفسي كوني إيطالية لابد لي أن أبتعد عن التواجد في أماكن عامة وكأن الخطر دوماً يهددني وهذا ما يسبب استحالة التنسيق للقاء بشكل دائما، علاقتنا كانت تتشنج وتتضطرب لمجرد معرفة أصدقاء ليبيين غيره أو تكوين علاقات مباشرة مع أفراد آخرين غيره، لربما عنصر الغيرة كان حاضراً وهذا مهم ولكن في نهاية الأمر هذا يعزي للتراكمات الثقافية التي لدى كل واحد منا -حينما تحضر المشاكل والصراخ يتلاشى الحب السرمدي الذي كنا نتطلع له، ويصبح التواصل المباشر واللامباشر صعباً- فنحن لا نتواصل بشكل كامل وأنا كررت هذا في داخلي سابقاً مئات المرات حتى تشبع به عقلي الباطن (لا أستطيع بناء أي شيء دون وجوده معي).

حتى مشاكلنا على الهاتف كان لها ردود أفعال غير صحية كوننا بعيدين، لا نتواصل بالكلمات وملامح الوجه ولغة الجسد فكل هذا مفقود في حوارنا لمجرد بدء أي نقاش عادي يومي، وهذا ما سبب لنا المتاعب وخيبات الأمل المتكررة في انتظار مهاتفة كل منا الآخر أو معاودة مراسلة بعضنا؛ حتى أصبحت تتمدد الساعات إلى أيام وأسابيع. هنا قررنا إنهاء هذه العلاقة المرهقة ولو بشكل غير رسمي، ولكن هذا سيساعدنا على المضي قدماً في حياة كل واحد مننا بشكل مريح.

بعدها قررت العودة إلى إيطاليا وقد فارق كل منا الآخر لتبقى الحدود والتأشيرات هي الحاجز أمامنا، فلم ولن  نستطع تكملة رحلتنا كشريكين مختلفين حتى وإن آمنا بالحب، ولكني أنا هنا اليوم على أرض ثالثة قريبة جداً من ليبيا على أمل اللقاء به مجدداً.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (10)

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية