التواصل الاجتماعي الغائب. ومواقع مصمّمة لكي يُدمن المستهلك عليها، أنت مجرد سلعة - Huna Libya
فقاعات اجتماعية article comment count is: 0

إدمان العصر الرقمي

يُعرّف الإدمان في علم النفس على أنّه “أيّ سلوك أو فعل متكرّر، يقود الى التأثير على حياة الإنسان من الناحية الاجتماعية أو الوظيفية”. أمّا من ناحية علم الاعصاب فإنّه “أيّ سلوك أو ممارسة تقود إلى تنشيط جهاز المُكافأه في الدماغ، بالشكل الذي لا يخدُم الوظيفة الذي تطوّر من أجلها”.

قد يبدو التعريف معقّدا لدى البعض؛ لنبسّطه بهذا المثال: أنت حينما تتناول قطعة من الحلوى الغنيّة بالسكّر, سيقوم الدماغ بإفراز مادّة الدوبامين Dopamine المسؤولة عن الارتباط الشرطيّ بين ذلك الطعم الحلو من ناحية وبين الفعل؛ أي أكل تلك القطعة من ناحية اخرى. ما يحدث هنا هو أنّ جهاز المُكافأه في أدمغتنا يقوم بربط الدوائر العصبية مع الحدث الحاصل, والنتيجة هي بحثك عن الحلوى والذهاب لشرائها حينما تشعر بحاجه ماسّة إلى المكُافأه أو الشعور بالسعادة في وقت لاحق, بدلا من البحث عن السّبب الحقيقيّ لشعورك بالقلق ومواجهة الامر.

مجموعة من الشباب يمسكون بأيديهم نقالاتهم - إدمان العصر الرقمي

وسائل التواصل الاجتماعي والادمان الرقمي

لعلّ وسائل التواصل الاجْتماعي مثل (الفيسبوك، التويتر والانستغرام) قد ساهمت كثيرا في تطوّر قدرتنا كبشر على التواصل والتفاعل مع بعضنا البعض, ولكن، كما لكلّ شيء جانب إيجابيّ؛ فإنّ هناك جانبا سلبيّا أيضا, فمثلا: الكثير من تلك المواقع قد صُمّمت بطرق تؤدي إلى إدماننا لها إن لم ننتبه للأمر, ما يؤدّي – إدمان العصر الرقمي – إلى التأثير في حياتنا الاجتماعية أو التأثير على إنجاز مهامنا اليومية كالدراسة والعمل.

فأنت حينما تقوم بتصفّح الفيسبوك مثلا، فإنّك تقوم بعمل ما يشبه “المسح السريع” بغية الوقوع على منشور أو صورة تعجبك من بين العشرات إن لم نقل المئات. حينها فقط تفرز جرعة صغيرة من الدوبامين لتقودك إلى تكرار ذلك النمط من المسح أو التصفّح “السريع” كما نظنّ مِرارا وتكرارا، حتى تعثر على ضالّتك مجدّدا وهلمّ جرّا…

شخص يمسك نقاله ويحاول فتح تطبيق Facebook

الفيس بوك ووهم الفقاعة

إحدى الأسباب الأخرى التي تقود إلى إدماننا لوسائل التواصل الاجتماعي؛ هو ذلك الشعور بأنّ جميع من حولنا “افتراضيا” يتفقون معنا فيما نقول أو يُعجبون بكل ما ننشرة، ما يولّد في أنفسنا شعورا بالأمان المؤقّت، الذي لا نجده في الحياة الواقعية اليومية. وبالتالي يقودنا إلى زيادة تعلّقنا بتلك المواقع والتطبيقات. وكما أنّنا في العاده نفترض لاشعوريّا أنّ ما نقوله وما يقوله أصدقاؤنا الافتراضيّون هو الحقيقة وحدها، متناسين أنّنا قمنا ومنذ البداية باختيار أصدقائنا بحيث يتماشون مع أفكارنا وتصوّراتنا للحياة.

الصورة “المُفلترة” والكآبة الانستغراميّة

تتحدّث العديد من الدّراسات في علم النفس عن كون المستخدمين لموقع الانستجرام من بين مواقع اجتماعية أخرى, الأكثر عُرضة للاكتئاب وعدم الشعور بالرّضا عن النفس. والسبب في ذلك يعود إلى الحالة “المِثاليّة” التي يعرضها المُستخدمون الآخرون عن أنفسهم, كصورةٍ لوجبة غداءٍ ما في مكان راقٍ أو صورٍ لأنفسهم مع مُقتنياتهم الجديدة؛ ممّا يدفعنا لشعورٍ بالمرارة أو الأسى على أنفسنا, متناسيين أنّ تلك اللقطات قد صٌمّمت بعناية شديدة لكي تثير فينا انطباعا ما بالمثالية. كما أنّها غير حقيقية وغير روتينيّة ولا تحدث إلا ما ندر.

نقال وتظهر عليه أيقونة التعليقات والقلب والإعجابات وهي بالآلاف

تشير دراسات حديثة في علم النّفس: أنّ مستخدمي الإنستاغرام الأكثر عرضة للاكتئاب من بين المواقع الاجتماعيّة الأخرى

“التواصل” الاجتماعي الغائب

لعلّه قد أثار انتباهك من قبل مشهد لقائك مع مجموعة من الأصدقاء أو حتى جلسة عائلية، كان من المُفترض فيها أن يتحدّث كلٌّ منكم للآخر بكامل انتباهه, بينما الواقع أنّ كلّا منكم مشغولٌ في تصفّح هاتفه والردّ على إشعاراتٍ أو منشوراتٍ قد نالت إعجابه. متناسين أنّ التواصل الإنساني يتطلّب الكثير من التفاصيل، حيث تلعب لغة الجسد ونبرة الصوت، الضحكات الحقيقيّة، وتعابير الوجة؛ الدور الاكبر في تواصلنا، بشكلٍ لا يمكن للكتابة الالكترونية تعويضه.

مجموعة شباب بجندر وأعمار وإثنيات مختلفة، يمسك كل واحد منهم نقاله، دون التفات لمن حول - إدمان العصر الرقمي

وهنا يكون التساؤل: هل حقا ما يدفعنا إلى استعمال تلك المواقع هو الرغبة في التواصل اجْتماعيّا؟ أم أنّها حالة من الإدمان السلوكيّ (إدمان العصر الرقمي) التي تفشّت في حياتنا وصعب علينا إيقافها؟!

هل وسائل التواصل الاجتماعي سيئة؟

كما أسلفنا؛ فإن هناك جوانب إيجابية لها، لكن الحذر واجبٌ ممّا صُمّمت لأجله, فإن كنتَ من مُستعمِلي مواقع التواصل الاجتماعي؛ اِحْرصْ على تحديد عدد ساعاتٍ معيّنة في اليوم لا تتجاوز الساعتين كما ينصح الخبراء. كما يجب أن تفكّر أيضا بالطريقة المُثلى للاستفادة من وقت فراغك على الانترنت. فمثلا: هنالك العديد من المواقع الأخرى التي تمكنك من تعلّم لغة جديدة مثلا أو اكتساب مهارة ما. كما أنّ هناك العديد من الفيديوهات التعليميّة التي قد تفيدك في مجال تخصّصك أو في حياتك بشكل عام.

لا تنسَ أخيرا أنّ ما يجعلنا بشرا حقا؛ هو كوننا كائناتٍ اجتماعيّة تتواصل وتتفاعل مع بعضها بشكل مباشر، وأنّ الشعور بالعزلة الذي قد يشعر به البعض قد يكون بسبب استبدالنا للطريقة الطبيعيّة والفطرية التي جُبلنا عليها للتواصل.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية