العنصرية في ليبيا
article comment count is: 0

وفاء البوعيسي تكتب: ليبيا محمية من الغيتوهات

إنها العنصرية في ليبيا، والتي أحضرها للواجهة استبيان أجرته صفحة هنا ليبيا في الشارع الليبي، ومعه أمنيات المستطلعة آراؤهم، بإنجاز دولة القانون بعد عذابات عقود طويلة.

لقد تصدّرت القبيلة في الاستبيان، قائمة المؤسسات التي تنتج العنصرية بالمجتمع، وهي نتيجة تستدعي الكثير من التحليل والتأمل، لمحاولة فهم مدى خطورة هذه المؤسسة، على قيام دولة مدنية قوامها الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة.

لا بد من الاعتراف أولاً بأن الليبيين على مدى تاريخهم الحديث والمعاصر، لم يحظوا بنظام يعزز من العُصبة الوطنية فيهم، بل بتنمية عصبيات أخرى متعادية، مثل العصبية القبلية والعرقية واللغوية.

لقد حوّلت العصبية القبلية الليبيين لتجمع بشري، يفتقد لخصائص الشعب المتماسك، يلتصق ببعضه على نحو هشٍ جداً، بفضل منظومة من المعتقدات الموروثة فقط.

إن ليبيا بمعظمها هي محمية من الغيتوهات، إذ يمكنك أن تجد قرىً وحتى مدناً  كاملة، تعيش فيها قبيلة واحدة، تطلق اسمها على المكان وتحتكره لنفسها، وتمنع أو تُقيد من وجود “الغرباء” فيها، كقرية أبو عيسى، والعقورية، ومناطق ورشفانة بالزهراء والمعمورة والعزيزية، وبو قرين، وتاورغا، وترهونة، وزليتن، والمطرد، وغريان، ومدن أخرى لا تحمل أسماء قبائل ما، لكنها تغص بأبناء قبيلة واحدة أو أكثر، ترتبط معاً بأواصر قديمة ولأسباب تاريخية، كبني وليد،  ومصراتة، والبيضاء التي يقطنها البراعصة، والكفرة التي تغص بقبائل زويّه، ومدن نالوت وزوارة ورقالدالين والقره بوللي التي يقيم بها غالبية الأمازيغ، أما التبو والطوارق، وأولاد سليمان والحضيرات فلهم تجمعاتهم الخاصة في الوسط والجنوب.

لقد ترجم الباحث ممدوح خسارة الغيتو بأنه “مَعزِل يشير إلى منطقة يعيش فيها، طوعاً أو كرهاً، مجموعة من السكان يعتبرهم أغلبية الناس خلفية لعرقية معينة أو لثقافة معينة أو لدين”، ويكرس مجتمع الغيتو نفسه لخدمة أبنائه، فينأى  بنفسه عن الخارج، من خلال تقليل التعامل مع “الآخر”، ورفض التطبيع معه ومقاومته.

خطورة الغيتو  الكبرى تكمن في التمحور حول الذات، وفي تكثيف الشعور بالهوية الضيقة للجماعة داخل الغيتو، ورفض الذوبان في المجتمع الأم، أو الإنصهار الإجتماعي مع “الأغيار”، وفي تآكل الجبهة الداخلية للأمة، وهو العدو رقم واحد لمبدأ المواطنة، والبيئة الملائمة كأكثر ما يكون، لنمو التعصب ومشاعر الكراهية والعنصرية، ذلك أن الأفراد في مجتمعات الغيتو، قد لا يحتاجون كثيراً إلى مغادرة المكان، نظراً لتوفره على غالبية المرافق الحيوية لأفراده، كالمدارس والمستشفيات ودور العبادة وأماكن الترفيه، أما أعجوبة الغيتو  فتكمن بلا منازع، في أنه قادر على التحول إلى ثقافة وفكر سياسي وحتى ديني، بل إنه قابل للتنقل مع الأشخاص أينما ذهبوا.

ليبيا بالنسبة للقبائل الليبية ليست أكثر من تمثال من تمر ، وقد أكلت منه كلها حتى شبعت، ومجتمع غيتوهات كهذا التهم دولةً بأكملها

في ليبيا بالتسعينات، درج عدد من طلبة الدواخل والمدن الشرقية، ممن يقيمون في بيوت للشباب ببنغازي، على حجز غرفهم وشققهم الجامعية لأبناء عمومتهم بعد تخرجهم، والطلبة الجدد ينتقلون فعلياً إليها ثم يسوون أوضاعهم مع إدارة بيوت الشباب، ومع الوقت تصبح تلك الأماكن المختارة بعناية، تحت تصرف أبناء مناطق معينة لسنوات وسنوات، أما مدينة رأس لانوف الصناعية، التي بُنيت خصيصاً لإقامة موظفي قطاع النفط والغاز من ليبيا كلها، فقد تحولت الفيلل الأرضية هناك لملك شخصي لمن يقيم فيها، إذ يرفض الكثيرون تركها بعد التقاعد، بل ويزوجون أبنهاءهم ويجلبونهم للإقامة فيها معهم، وحين تتضخم العائلة يسعى الأب لإيجاد بيت آخر لابنه، يشتريه أو يستأجره من الباطن من موظف آخر عمل نفس الشيئ وهكذا. أما مصنع الحديد والصلب في مصراتة، ورغم أنه مبني بأموال عامة، إلا أنه لا يمكن حتى للسلطة في طرابلس، أن تضع مديراً عليه من خارج المدينة، والمدراء المتعاقبون عليه، كثيراً ما عمدوا إلى توظيف أقربائهم بمختلف الأقسام، حتى تحوّل المصنع لغيتو داخل غيتو، وقد حدث مثل ذلك بمصنع المشروبات بأبو عطني، ومصنع إسمنت الفتائح في درنة، ومصنع الإسمنت بالهواري في بنغازي، ومصنع الجلود بسيدي خليفة، وبالكاد تنجو مدرسة أو إدارة بلدية أو مكتب صحة في مدينة ما، من الاستيلاء عليها لصالح الأخوة وأبناء العمومة، بل حتى السفارات الليبية في الخارج، لم تنجُ من توظيف الأقارب والأصهار للدرجة الرابعة.

أما بعد أحداث فبراير المؤلمة، فإن عدداً من جرحى المعارك من مدن مختلفة، قد تم نقلهم للعلاج بالأردن، وبالمشافي الأردنية تحرك الغيتو الذي يسكن الرؤوس المحرورة بالقبلية، وفرض نفسه على الإدارة، كي يتم الفصل بين المصاريت والزنتان عن بعضهم، حتى صار لكلٍ عنبره ولكلٍ غرفه التي لا يلتقي فيها مع الآخر أو مرافقيه وزواره، وحتى السلطات التشريعية بعد سقوط النظام بطرابلس وطبرق، لم تسلم من الانقضاض عليها وتحويلها لغيتوهات قبلية ومناطقية، فمصراتة وأتباعها ومفتيها انقضوا على المؤتمر الوطني وجيّروه لصالح حركات الإسلام السياسي، والقبائل بالشرق انقضت على البرلمان ووضعته في جيبها الخلفي، واستثمرته في التوظيف والتوزير والسرقات والتطبيل لحفتر.

إن ليبيا بالنسبة للقبائل الليبية ليست أكثر من تمثال من تمر ، وقد أكلت منه كلها حتى شبعت، ومجتمع غيتوهات كهذا التهم دولةً بأكملها، ما الذي يمكن أن يتركه للنساء برأيكم، وهن يتحركن بحذر وسط مجاميع عشائرية، يحكمها رجال قبليون بتفكير ضيق ونفعي، وكيف يمكن لليبي لا قبيلة قوية تحميه أن يعيش فيها، وما وضع الأجنبي المقيم إقامةً شرعية منذ عقود وقد خدمها بقلبه وضميره، وما الذي ادخرته القبيلة من سنواتها السمان في نهش الدولة، لسنواتها العجاف بعد فبراير من حلول لمشكلة تاورغا، وأي المدن ستفكر في توطينها بها دون أن تخشى على لُحمتها الداخلية، وهل للقبيلة إرادة حقيقية لحل مشاكل خطيرة من صنعها هي، كالفساد والوساطة والمحسوبية والتطرف؟!

إنه لمن العيب علينا كليبيين أن نترك القبلية تحول بيينا وبين دولة مواطنة للمرة الثالثة على التوالي، وإن كان الليبيون جادون فعلاً بإقامة دولة قانون، فعليهم التفكير في تقديم تضحية كبيرة جداً ومؤلمة جداً على المستوى القريب، لكنها نافعة جداً وفعالة على المستوى المتوسط والبعيد: أن يُصروا على  دستور  لدولة مواطنة كاملة الأركان، وخطة حكومية صارمة تقوم بنزع ملكيات أراضي القبائل الليبية كلها للمصلحة العامة، واتباع برنامج زمني يكفل إعادة توزيع السكان بليبيا من جديد، بحيث تختفي مسميات مثل ورشفانة، والعقورية وأبو عيسى، وينتهي وجود أي تجمعات بشرية من نسيج قبلي واحد بشكل متجاور من جديد، وتعزيز الضمان الاجتماعي الذي يوكل للدولة الاهتمام بالمحتاجين والضعفاء والمعوقين بفاعلية وجدية، ويجعل من مهمة رعايتهم بيد موظفين متخصصين ومعينين من الدولة لا بيد الأقرباء والأهل، ويعزز من أدوار المجتمع المدني، ويكفل قيام مؤسسات وأحزاب سياسية على أسس وطنية وشفافة، لتكون نوادٍ اجتماعية وسياسية وفكرية عابرة للألوان والألسن والقوميات، وهي البدائل العصرية عن القبيلة بكل حضارة بالقرن الحادي والعشرين، حتى تضمحل القبيلة مع الزمن، وإلا فإن صرخات الشعب، إما أنها ليست جادةً في تطلعاتها، وإما أنهاستسقط في أول سبخة من سبخات ليبيا المالحة.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية