الصحّة الجسديّة هي بوابتك إلى الصحة النفسية والروحية والبيئيّة - Huna Libya
صحتين وعافية article comment count is: 0

ثقافتنا، روتين مميت وعادات غذائيّة سيئة

في العقدين الأوّلين من الألفيّة الثالثة، تزايد بشكل مثير، الاهتمام بالصحّة الجسديّة والحديث عن الإرشادات الغذائيّة، فأصبح الموضوع هو الطبق الرئيس في أحاديثنا اليوميّة والذي يحكمه الإشاعات والمعلومات الزائفة أحيانا كثيرة.

هذا الاهتمام المتزايد – في تقديرنا – لم يكن الدافع الأوّل له صحيّا بالقدر الذي كان شكليّا، بمعنى: الحصول على الشكل المثالي وكيف يبدو الشخص أمام النّاس، بالمعايير التي حدّدها المجتمع ورسمها المشاهير من الفنّانين والممثّلين وعارضات الأزياء، حتى ولو لم يكن ذلك صحيّا!

وسط هذا الخِضمّ الهائل من المقالات والسجالات والمجتمع الاستهلاكيّ؛ أهمل الجميع أساسيات الصحّة الجسديّة، والتي سنتطرق إلى بعضها في هذا المقال البسيط، ولا يتوقع أحد أنّنا سنقدّم له شيئا استثنائيا أو ترويجيّا، على غرار “طريقتك إلى الصحّة المثاليّة في 3 أيام” وما أكثر هذه الأوهام اليوم.

طبق يظهر عليه وحوله مجموعة من الخضراوات والفواكه - صورة

نمط حياة مثالي وليس وزنا مثاليّا

الصحّة الجسديّة: مفهوم عامّ ويُعنى به الحالة التي يكون فيها جسم الإنسان خاليا من الأمراض و الإصابات. و هي نعمة كبيرة من الخالق سبحانه وتعالى، لا نعلم قيمتها حتى نفقدها. كما تعتبر – الصحّة الجسدية – النوع المرئيّ من الأنواع الأخرى للصحةّ، و التي تتضمن الصحّة النفسيّة و الصحة الرّوحية و الصحة البيئية.
ومن المفاهيم المغلوطة النظر إلى الصحّة الجسديّة على أنّها هدفٌ يجب الوصول إليه (وزن مثالي / شكل مثالي / تحليل مثالي) وإهمال أنّها عمليّة مستمرّة، تكامليّة، ولا يُمكن الوصول إليها إلا بتغيير نمط حياة بالكامل، بشكل صحّي، وبطيء (دون استعجال) ومُستدام. وإلا فإنّ دورة حياة ذوي النمط القاتل لن تنتهي إلا لتبدأ من جديد، يصل فيها لمبتغاه (الوزن المثالي مثلا) في 6 أشهر ثمّ ينتكس في الـ6 أشهر المتبقية.

ومن بين هذه الإرشادات البسيطة، والسهلة، والتي يجب أن تكون أسلوب حياة:

1- الأكل بطريقة صحية

من أكثر عاداتنا الثقافية سوء؛ هي عاداتنا الغذائيّة، بكلّ تفصيلاتها. بل وكأنّنا ننتقي أسوأ العادات ونعتمدها. ابتداء من إهمال وجبة الفطور، والاعتماد على المعلّبات والإفراط في السكريّات والنشويّات وانتهاء من وجبات المناسبات والعزومات والـ”مكارين” الليليّة.

ومن أصعب العراقيل التي تواجه الشخص الذي يريد تغيير نمط حياته بشكل كامل؛ هي العادات الغذائية الجمعيّة لمجتمعنا. فيكفي أن يدعوك صديقك إلى “عزومة” لتجد نفسك مجبرا على الدخول في منظومة العادات الغذائية السيئة، فصديقك لن يحترم قرارك بل قد يحلف لك لتأكل وقد يغضب منك غضبا شديدا إن لم تفعل.

أيضا، من الضّروريّ أن يكون النظام الغذائيّ مٌتوازنا، ويحتوي على العناصر الغذائية المهمّة و الغنيّة بالفيتامينات و البروتينات و الكربوهيدرات المعادن و الدهون الصحية بشكل متوازن.

في المجتمع الطبيعيّ، طبيب التغذية لا يقلّ أهميّة عن طبيبك العام، وطبيبك النفسيّ. ويجب مراجعته بشكل مستمر، كون الغذاء هو بوّابتك إلى حياة صحيّة متكاملة، التي تتأثّر بتغير الغذاء وصحيّته. أيضا، الغذاء بوّابتك إلى صحّتك الجسديّة. ولا تنسَ الماء؛ فهو إكسير الحياة.

2 – الحركة بركة

من أكثر سلبيّات عاداتنا اليوميّة هي الكسل، وقلّة الحركة، حتى أصبحنا نقضي معظم وقتنا جالسين. نذهب إلى العمل في سيّارة ونجلس لساعات طويلة على مكاتبنا. نقضي أمسيّاتنا على المقاهي جالسين، ونختم يومنا في مرابيعنا ممتدّين. ولو خُيّر أحدنا بين الصعود بالدرج إلى الدور الأوّل وبين استخدام المِصعد؛ فلن يتردّد في اختيار المِصعد.

من الضروريّ جدّا، أن نتحرّك أكثر طيلة اليوم، دون اسْتخسار أيّ مجهود يُبذل، ولو كان الذهاب إلى المحلّ الذي يقابل منزلك ماشيا. ولو استطاع أحدنا أن يخصّص نصف ساعة فقط يوميا، للمشي قبيل المغرب؛ لتغيّرت حياته بالكامل، نعم، بالكامل، ودون مبالغة.

3 – نوم العوافي

قد يبدو غبيّا بعض الشيء أن تنصح أحدهم بالنوم، لأنّ النوم هو أكثر ما نتقنه في روتيننا اليوميّ، بل نفعله باحتراف كبير. ولكن في الحقيقة النصيحة بالنوم الصحيح من أهم النصائح للحفاظ على صحّتك الجسديّة. للنوم فائدة كبيرة جدا في الوقاية من السكتات الدماغيّة، بل وتعزيز الذاكرة أيضا.

لكن للأسف، الكثيرون يضيعون هذه الفرصة اليوميّة الذهبيّة، في السهر، والاستيقاظ المتأخر، أو عدم النوم لساعات كافية، الذي يضرّ بالدورة اليومية الهرمونية للجسم. وبالتالي نضيّع على أنفسنا فرصةً للتجدّد اليومي لا تتكرّر. ولاحظ أنّ كلّ دقيقة قبل منتصف الليل من النوم لا تقدّر بثمن.

صورة تُظهر شبابا وشابات وهم يزاولون الرياضة

4 – الفحص الدوري

كثيرٌ منّا، يهتمّون بسيّاراتهم أكثر من اهتمامهم بأنفسهم.فتجده يتفقّد “الرادياتوري” والماء، ويفحص الزيت، ويستمع لصوت المحرّك، ويراقب “الفرينو والكامبيو” ويقوم بشكل دوريّ بـ”سيرفز” لسيّارته عند “سطى محترف”. المضحك في الأمر أنّنا لا نقوم بنفس الشيء عندما يتعلّق الأمر بصحّتنا الجسديّة.

ففي ثقافتنا هناك خوفٌ من الطبيب، بل نادرا ما تجد شخصا ذهب إلى الطبيب وهو بكامل صحّته، بل ربّما ضحك عليه الناس، حيث أنّ المفهوم العام: نذهب للطبيب فقط إذا كنّا مرضى، والبعض لا يذهب أصلا إلى الطبيب حتى ولو مرض؛ إلا إن فقد وعيه، ووصل الأمر إلى الغيبوبة والحالات الطارئة. من المهمّ مداومة رؤية الطبيب – حسب العمر – كل 6 أشهر على الأكثر، مع مداومة عمل التحاليل والاحتفاظ بها ومقارنتها.

5 – النظافة من الإيمان

من أجمل القواعد في ثقافتنا الحديث الشريف “النظافة من الإيمان” والذي جعل النظافة دليلا من دلائل الإيمان وجزء منه. ولكن للأسف تطبيقنا لهذا الحديث الضعيف ضعيف. من أهم متطلّبات الصحّة الجسديّة هي النظافة الشخصيّة، من الملبس والمأكل والسيارة والسرير وغرفة النوم وغيرها. فغياب النظافة يخلق بيئة خصبة لنموّ البكتيريا والفطريات والطفليات والتي تضرّ الإنسان، بل وبعضها – رغم مجهرية حجمه – قد يقتله.

ومن أهم ما يجب فعله حيال النظافة الشخصيّة: الاستحمام المنتظم، غسل الأسنان يوميا، تقليم الأظافر.

6- التدخين الموت البطيء

نادرا ما تجد مدخّنا وهو لا يعلم في قرارة نفسه أنّ التدخين مضرٌّ بصحّته. قلائل من يُجادلون في أضرار التدخين الصحيّة وارتباطها بأكثر من 40 سرطانا مختلفا، وآثاره الاجتماعيّة واليوميّة. ومع ذلك، لا يزال عدد المدخّنين في ازدياد، وإن لم أستطع ثنيهم عن التدخين، فآمل منهم مستجديا بإنسانيّتهم ألا يدخّنوا في منازلهم، ولا حتى في “البلكونة” خصوصا إذا كان هناك أطفال ورضّع.

بحكم عملي في مجال جراحة الصدر فإنّ نسبة 90% من الحالات المرضية التي نراها في القسم سببها الرئيس هو التدخين، والكثير من الأورام الخبيثة عافانا الله وإيّاكم، و الالتهابات الصدرية و تضخم الرئتين، كل هذه الأمراض أحد أسبابها الرئيسة هو التدخين. وكم أتالّم وأنا أشاهد مقاهي “الأرجيلة” وهي تزداد انتشارا وتوسّعا وازدحاما.

صورة تظهر مخاطر وآثار التدخين

خاتمة

الإنسان طبيب نفسه، والتغيير الحقيقي يكون بتغيير نمط الحياة. العديد منّا يعلم ما هو صواب، وما يجب فعله. القليل منّا من يملك عزيمة لتنفيذ ذلك. كن أنتَ الشيء الإيجابيّ في حياتك، وليس العكس.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (0)

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية