مدينة طرابلس الليبية
"المكسدة" دائماً هي "الحكاية"، حكايتنا نحن، حكاية مجتمع تصرّ منظومات أيدولوجية تلو الأخرى على أن تقحمه داخل دائرة الكساد، الملل، التكرار، الروتين، الاعتياد، حتى صار كلّ اختلاف وكلّ جديد وكل ترفيه غرابةً لا تطوراً أو تغيراً في الحال. ShutterStock
article comment count is: 2

دليلك إلى “الكساد” في طرابلس

منذ السبعينات انتقد كتّابٌ وفنانون ليبيّون أزمة “الكساد” وقلّة مصادر الترفيه في شوارع المدينة، وركود الحالة الاجتماعية.فالكساد هو الوضع المعتاد منذ ذاك الحين، حتى إنّ البعض ليسألك عن حالك قائلاً:

-“مكسدة؟” متضمناً إجابتك داخل السؤال ذاته.

“المكسدة” دائماً هي “الحكاية”، حكايتنا نحن، حكاية مجتمع تصرّ منظومات أيدولوجية تلو الأخرى على أن تقحمه داخل دائرة الكساد، الملل، التكرار، الروتين، الاعتياد، حتى صار كلّ اختلاف وكلّ جديد وكل ترفيه غرابةً لا تطوراً أو تغيراً في الحال.

في مدينة كطرابلس تملك نوعاً من الهوية المدنية الحديثة، يُساوم تجار العملة بالسوق السوداء على الدولار وحياة سكانها برفع وتخفيض تكلفة المعيشة، بما يجعل أمر الترفيه عن الذات متغيراً مع تغير فواتير الدولارات. وإن أردنا ترتيب الخيارات والأشياء التي بالإمكان فعلها للترفيه داخل طرابلس ابتداءً من أكثرها مجانية إلى الأكثر تكلفة؛ فبإمكاننا أن نلاحظ أنها تتقاطع مع نوع مساحة الترفيه، النوع الاجتماعي، والطبقة والمكانة الاجتماعية.

  1. مساحات عامة:

المساحات العامة هي الأكثر مجّانية للترفيه بطرابلس. بإمكانك أن تحظى بوقت ممتع مع العائلة أو الأصدقاء فوق أي بقعة خضراء متاحة لك في المدينة -بما يشمل جزر الدوران- والأراضي الزراعية المفتوحة المملوكة للدولة. كذلك أي مساحة عامة قريبة من البحر، الشواطئ والكورنيش. تفضيل العائلات لهذه المساحات يجعل من حركة الشباب والشابات داخلها محدودة، ما يجعلهم يفضلون التجول في بعض الشوارع المليئة بمحلاتٍ تعرض آخر صيحات الموضة، فالخوض في زحام المارة والسيارات يمنح فرصة كافية للانتعاش والاستمتاع بأجواء الشوارع الحيوية بروح شابة تستقطب الجنسين.

 

وأنت لست حراً في الاختيار، فبعض المقاهي تضع شروطاً على نوعيّة الزبائن، حيث يحرم الشباب الذكور من دخول مقاهي “العائلات فقط”دون رفقة أنثى

  1. مساحات خاصة\عامة:

تتنافس في شوارع طرابلس المقاهي والمطاعم ومحلات الفاست فوود – Fast Foodعلى تقديم أفضل خدمات الطعام، وتتنوّع كذلك كُلفتها من دنانير بسيطة لأكلات شعبية، إلى وجبات باهظة الثمن كتلك التي تحمل هوية ثقافات أخرى من أكل هندي، لبناني، وتركي متقن.  وبالمجمل، فإن عشرين دينارا كافية لمنح تجربة جيدة لوجبة – مثلا – باسم إيطالي، بالإمكان إيجادها في شارع يأخذ من “الجعانين” اسمه!

تقل أسعار القهوة بالأكشاك السريعة مع ازدياد جودتها مقارنة بالمقاهي، فبإمكانك بطرابلس الحصول على كوب ورقي من اسبريسو إيطالي متقن بأقل من دينارين أو فنجان بمظهر أوروبي من النسكافيه سريعة التحضير بخمسة دينار أو أكثر.

وأنت لست حراً في الاختيار، فبعض المقاهي تضع شروطاً على نوعيّة الزبائن، حيث يحرم الشباب الذكور من دخول مقاهي “العائلات فقط”دون رفقة أنثى، ويعتبر إقبال النساء ضعيفاً على أكشاك القهوة السريعة -والأرخص- لطلب كوب “نص نص”، فما بالك بكوب “كريمة” الأكثر”رجولية”!

  1. مساحات مخصصة للنساء فقط:

صالات حفلات، خيم أعراس، صالات مراكز تجميل وعناية بالبشرة، صالات رياضة، وبالطبع البيوت! هي الأماكن التي بإمكان النساء أن يأخذن راحة أكبر في الاستمتاع بأوقاتهن داخلها، حيث يصبح الضحك والغناء والرقص والتزين مباحاً بعيداً عن أعين رجال العائلة طالما يبقى داخل جدران تختزل حركتهن بعيداً عن الحياة العامة. تضطر النساء لتحمل التكلفة المادية مقابل الخدمات المخصصة لمتعتهن من وراء حجاب، وعلى الرغم من انتشار هذه الخدمات الخاصة إلاّ أن بعض فئات المجتمع لا زالت تعتبر النساء اللواتي يلتقين في المقاهي غير محترمات. كما توجد حركة سلفية من النساء مقاطعة لزيارة صالات الأفراح الخاصة أو على الأقل تلك التي تشغل الموسيقى.

  1. مساحات مخصصة للعائلات فقط:

المقاهي المغلقة والمنتزهات الخاصة، والقرى السياحية وبعض المطاعم والنوادي الترفيهية  صارت مؤخراً تضع لافتات بعنوان “للعائلات فقط”، وهي جملة تعني بالأحرى “يمنع دخول الرجال منفردين”، وذلك لعدة أسباب: ربما لكبح ظاهرة المعاكسات؛ أو سعي مجتمعي لفصل الشباب الذكور عن الإناث في الحياة العامة.

  1. مساحات مخصصة للرجال فقط:

المقاهي المفتوحة، وأكشاك بيع القهوة، والأسواق الشعبية، ومقاهي الأرقيلة  والنوادي الرياضية، والجامع، وصالات الألعاب الترفيهية الشبابية، هي أماكن لا تجد اقبالاً من الأسر الليبية، وكذلك تحرم فيها أو تندر حركة النساء، إما بشكل صريح، أو ضمنياً باعتبارها مساحات “رجولية” قد تخصص فيها مساحات صغيرة للنساء إن دعت الحاجة.

  1. مساحات مخصصة لغير الليبيين:

لم تقابلني مساحة ترفيه تقبل وجود مهاجرين أفارقة وعمال من جنسيات عربية وأسيوية داخلها إلا مرة واحدة، وهي مساحة عامة في شارع رئيسي يتجمع فيها جمهور من العمال الأجانبلمشاهدة مباريات كرة قدم تقام بين مجموعات منهم، ويقال حسبما أسمع أنهم يجيدون اللعب بشكل ملفت!

الترفيه هنا لمن يدفع أكثر:

الخلاصة، إن كنت شاباً ستبقى دائرة الشك تدور حول تجمعاتك للترفيه حتى تستطيع أن تتكفل ثمن تكوين أسرة، وإن كنتِ شابة فلا مكان مريح لك في الأماكن العامة وإن كانت “سوق خضرة”، أما إن أردت الترفيه مع العائلة فيتوجب تحمل التكلفة مادية للترفيه أو التكلفة الصحية الناتجة عن التلوث، وإن كنت مهاجراً من بلاد أفريقية فينذر أن تكون هناك مساحات لك. تكوّن هذه المساحات المخصصة بشكل متعمد أو غير متعمد فصل اجتماعي طبقي وجندري وعرقي يحرم الجميع من الترابط الاجتماعي الذي توفره مساحات الترفيه العامة والخاصة، بما قد يحقق نمو مجتمعي واقتصادي وسلم أهلي.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)

  1. مرحباً
    أهنئك على سلاسة و مرونة سردك ، والرائع فقد أصبتي الوجع الحقيقي ، فنحن نعيش حالة من الإنفصام الحقيقي ، نريد الحرية ولازلنا نعيش في جلباب العُرف والقيل والقال ، وهذا ماينطبق على “فكرة ” ( تغير الجو ) لأن لو حبينا نطلعوا نشموا هواء لازم تدفعي ثمن الهواء من أول تخميم ف الطلعة مروراً بجميع مراحلها لحين العودة للمنزل محملة بغيبات عدة.
    أخيراً ….
    موفقة دائماً ” ريما الجميلة”

  2. احسنتي ريما من زمان كنت نبي حد يتكلم في هلموضوع من مادا امولي مؤرق ومستفز نقصد نقص اماكن الترفيه

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية