article comment count is: 0

سالم العوكلي يكتب: داعش بنت الحداثة أيضاً

داعش ليست نزوة عقيدة فقط، ولا نتاج استبداد سياسي، أو فشل مشاريع تنموية، أو عدم إدماج، أو سوء مناهج دراسية، كما تروج لها الميديا عبر ضيوف استوديوهاتها التحليلية من علماء الاجتماع والاقتصاد والنفس، ومن البحّاث في الجماعات المتطرفة الذين لا حصر لهم.

هي لا تبتعد عن كونها سليلة طبيعية لمشروع قديم ساهم في بنائه تحالف سياسات سرية لقوى عظمى مع إقطاعيات نفطية في المنطقة حين التقت المصالح بينهما في مقاومة الشرين، بالنسبة لهما، المتمثلين في طموحات الاتحاد السوفيتي لنشر أيديولوجيته بعد الثورة البلشفية، وطموحات إيران في نشر عقيدتها بعد الثورة الخمينية. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تمول دولة دينية مركزية تنظيما إسلاميا مسلحاً، سُمي فيما بعد تنظيم القاعدة، بقيادة مليونير سعودي وإدارة المخابرات الأمريكية، لتصبح جبال “تورا بورا” ساحة لتدريب أول التنظيمات الإسلامية المسلحة في التاريخ الحديث، والتي ستعود بعدئذ لمنطقة الشرق الأوسط كأداة لإثارة الفوضى والحروب في أكثر مناطق العالم انغلاقا وثراءً.

لذا فالبحث عن داعش، كظاهرة عالمية، يبدأ من كهوف أفغانستان ولا ينتهي في مسرح “باتاكلان” بباريس. البحث في داعش ومثيلاتها لابد أن يمر بفن إدارة الشر الكامن في جيناتنا المتحدرة من أصول متوحشة، بحث لا يخرج عن اهتمام الثيولوجيا كعلم يبحث في تطور سلوك الحيوان.

“داعش صنيعة التخلف والتقدم في الوقت نفسه، تستخدم أحدث تقنيات العلم والثورة المعلوماتية لترويج أكثر الأفكار إغراقا في التخلف.”- سالم العوكلي

 

بعد أحداث فيلم الحادي عشر من سبتمبر، ذي الميزانية الضخمة، تعهدت أمريكا بالقضاء على القاعدة وإزالتها من الوجود. وبعد أن صرفت المليارات، واستخدمت عشرات الآلاف من الجنود ومن أطنان الذخائر، لم يحدث شيء سوى تعديل جيني لتنظيم القاعدة، تم في مختبرات الـ”سي آي أي”، ليظهر علينا مارد (داعش) أكثر توحشاً بميزانياته الضخمة وأسلحته المتطورة ومنظومة إعلامه الهوليودية، وباحتلاله لمدن كبيرة وأقاليم واسعة في الشرق الأوسط. وفي النهاية لم تُوفِ أمريكا سوى بنذورها السرية المتعلقة بتحييد الجيوش المركزية في المنطقة وتفكيكها تماما، تلك الجيوش المتماسكة التي كان صعبا على الجماعات الإرهابية اختراقها، والتي كانت حائلا دون تحقيق الحلم الأميركي الذي بشر به مهندسو خريطة الشرق الأوسط الجديد والمسمى (الفوضى الخلاقة)، وهي تعرف أن الفوضى محض فوضى، ولا يمكنها أن تخلق سوى تنظيمات متوحشة تعيد الإنسانية إلى عصور الذبح والحرق وأكل لحوم البشر، ومن ثم تعيد المنطقة إلى خارطة القطعان المتمثلة ـ في هذه الحالة ـ في الطائفية القديمة التي كانت مدفونة تحت سيطرة الأنظمة المركزية، شبه العلمانية، التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية.

داعش صنيعة التخلف والتقدم في الوقت نفسه، تستخدم أحدث تقنيات العلم والثورة المعلوماتية لترويج أكثر الأفكار إغراقا في التخلف وامتهان الكائن الإنساني. صنيعة دكتاتوريات الشرق وديمقراطيات الغرب على حد سواء، صنيعة شيوخ خارجين من كهوف التاريخ وموظفين أنيقين وراء مكاتب فارهة في ناطحات السحاب. وهي ، كإحدى الطفرات الناتجة عن أطروحة الإسلام السياسي وأكذوبة اعتداله، نتاج لخيال الحداثة الأمريكي الجامح الذي يشكل العالم وفق شهية السوق العالمية النهمة، ومزاج القوى الاقتصادية الكبرى، وشغف القوة الواثقة من جبروتها بالصراع الدموي الذي من شأنه أن ينعش ذاكرة صدام الحضارات درءاً لكوابيس “فوكوياما” الذي أفزع الأمة الأمريكية ـ وهي مازالت في سن مراهقتها التاريخية ـ بكابوس نهاية التاريخ، فكان البديل المناسب “فوبيا” التطرف الإسلامي كقطب جديد تحت السيطرة، وحروبا صغيرة لا تطال “طوائشها” الشواطئ الأطلسية البعيدة، من شأنها أن تتكفل بالحفاظ على لياقة المصارع الأمريكي، وعلى شباك التذاكر مزدحما، وتبعث الحماس في تروس مصانع الأسلحة التي لا تهدأ.

داعش واحدة من ابتكارات المخيال الأمريكي الذي يستمد حيويته من أساطيرها وأساطيلها، ومن قريحة هوليود كملهمة للسياسيين وللمتفرجين في الوقت نفسه. فالصناعة الهوليودية لم تكن فقط وسيلة للربح أو الترفيه، لكنها كانت بحنكة تلهم صناع القرار شغفهم بالبطولة المطلقة، وبصناعة العُقد الدرامية في الصراعات الدولية، وبالنهايات السعيدة التي تهبط فيها الهيلوكبتر، في آخر الفيلم، كمعجزة إلهية، لتنقذ مسيحها المصلوب في أدغال العالم الكافر بالقيم الغربية الحديثة، ولتوهم الرأي العام بأن كل غزو أمريكي لا يعدو كونه تضحية من أجل مهمة تبشيرية عظيمة.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية