العنف المنتشر في ليبيا
article comment count is: 0

علي الطيف يكتب: ليبيا في زمن الحرب

“أنا أفكر في الموت كل يوم، أعني كل يوم، فاهمني؟ وكل يوم نمشي فيه في الشارع نتخيل في نفسي ميت، كل ما نسمع رصاصة، كل ما نشوف سيارة نوافذها معتمة ومن غير طارقات، ليا أربع سنين هكي، ولا أعرف إلى متى سأتحمل. حق حياتك أقل من نحاسة!”

الموت لا ينتظر أحداً. إنه يحدث فجأة. هكذا هي الحياة في طرابلس وليبيا كلها منذ 4 سنوات. لست أبالغ إن قلت إن الموت يوجد في الهواء مع الأوكسجين ودخان المولدات الكهربائية والسيارات والسجائر والحشيش  وأصوات البكاء والصراخ والضجيج المستمر دائماً.

إن م. ب لم يقل كلماته تلك من فراغ. أعرفه منذ فترة. قبل عام 2011. قبل الثورة. لم يعد يؤمن بها. الكثير لم يعد يؤمن بها منذ فترة طويلة. أمسكوه على الهوية عام 2012. كان لقبه مشابه للقب شخص مطلوب عندهم. قال لي إنه كاد أن يموت مرتين في المعتقل. “لكن ربي نجاني في المرتين.” إلا أنه يخاف من المرة الثالثة. “الثالثة ثابثة!”، قال وضحك بينما نفث دخان سيجارة المالبورو الحمراء إلى السماء. سألته أكثر من مرة عن الذي حدث له في المعتقل، تفادى الإجابة في كل مرة، فتوقفت عن السؤال بعد فترة. أعتقد أنه يحاول أن ينسى أو أنه يحاول خلق “ليمبو – Limbo” خاص به على الأقل إلى أن يهاجر. وأجل إنه يحلم بالهجرة ويفكر بالبحر، “السنغاليين مش خير منا!”، قال لي ذات يوم.

“عرفت البنت التي تدرس معانا؟ اسمها وصال؟” قال ع . أ

“لا”، قلت له.

“يا راجل، البنت مسكينة، وأنا لا أعرف كيف عندها القوة إنها تجيء للجامعة وتخش الإمتحانات”، قال ع . أ

“ليش؟”، سألته.

“كل ثلاثة أيام في الأسبوع، تتوقف سيارتان أمام بيتها في مزرعتهم، يترجل 3  مسلحين سكارى، يطرقون الباب، فيخرج والدهم، يقولون له: وين بناتك يا حاج! طلعهم نبو نشوفوهم! يرفض بوهم الطلب ويحاول إقناع السكارى أن يرحلوا، بعدها يبدؤون بضربه. والثلاث فتيات بينهم وصال، ينقزوا من نافذة المطبخ ويجروا لحظيرة الدجاج، ويختبئن هناك إلى أن يرحل المسلحون السكارى!”.

بعدما حكى لي عن ذلك. رأيت وصال. “هذيكا هي!” ،قال لي. عيناها بنية. ولونها مثل لون رمال الصحراء في نصف النهار. الحزن بدا واضحاً عليها. تحدثُ معها مرة أو مرتين خلال سنوات دراستي كلها. كانت من الطلبة المجتهدين في الكلية – علامات كاملة ، ملاحظات ذكية ، سرعة بديهة – وحتى بعد الحرب لم يتغير شيء، ولم تكن تتحدث في السياسة، بالرغم من كون قبيلتها مؤيدة للنظام السابق. أحياناً أنت لا تختار عائلتك ولا لقبك ولا حتى دينك، وأحياناً مصيرك يرتبط بالأشياء التي لم تخترها في حياتك.

“قالت لي في مرة أنها تتمنى أنها ما كانتشّ ليبية ! وأنا الحق مرات نتمنى ذات الشيء”، قال لي ع . أ ونحن خارجون من الكلية.

“أنا حافظ وجوههم، سكرين شوت، في عقلي، ولا يمكن أبداً ننسى وجوههم، وفي يوم حانأخذ حقي، أنا ما درت شيء، لكن هي هكي، والدنيا دوارة على العموم، وما يعجبك في الزمان إلا طوله!”

أ.ب شاب لا يكاد يبلغ الخامسة والعشرين من العمر.  كان عائداً إلى المنزل في وقت متأخر من الليل فأمسكوا به. أغلقوا عليه الطريق وأخذوه معهم. لا يعرف لماذا حدث ذلك معه. لم يكن معه لا سلاح، لا مخدرات، ولا أي شيء. لكنهم أمسكوا به. حاول الحديث معهم فلكمه واحد منهم على وجهه. “كانوا سكارى” قال لي. رفض أن يذهب معهم، قام بمقاومتهم  فضربوه بمؤخرة الكلاشنكوف على ركبته. فوقع. ثم أخذوه معهم إلى مركزهم شمال غرب طرابلس. قضى ليلة هناك في غرفة ضيقة.  ثم أتى قائدهم – كان سكراناً أيضا–  أخبر القائد أنه لم يفعل شيئاً ليعتقلوه. نظر إليه القائد وسأل رفاقه عن سبب إعتقاله، فلم يملكوا رداً. لكن أحداً منهم قال أنه قاومهم عندما كانوا يتحدثون معه وأنه حاول الهرب. “إنت حاولت تهرب يا كلب؟” قال له القائد. “ما عنديش علاش بنهرب يا سيد وأنا مش مداير شيء!” قال له. صفعه عدة مرات بينما كان يكرر السؤال ولا يسمع إلا ذات الرد. “خلاص ، حاولوا معه شوية الليلة، لو ما قال شيء، اطلقوه الصبح، ما نبوشي يموت يا ولاد!” قال القائد لرفاقه وخرج. أخذوا يضربونه، ثم تعبوا في النهاية وخرجوا. في صباح اليوم التالي أطلقوا سراحه. بعدها بأسبوعين التقيت معه في إحدى المصحات الخاصة قرب المدينة الرياضية في طرابلس، كان سيقوم بعملية على ركبته، لن يمكنه الركض مجدداً لمدة طويلة، والألم المزعج في ركبته سيستمر لمدة طويلة، “عليك أن تعتاد على الألم لفترة،” قال لي أن الدكتور أخبره بعد العملية.

“أنا ما نعرفش شن بيصير في المستقبل، كل شيء ممكن، أن تموت، هذه أقل المخاطرـ أكثر شيء مخيف هو استمرار الوضع زي ما هو، حاتفقد كل شيء بالتدريج، وفي يوم لن يتبقى لك شيء، وتبدأ تستنى دورك كل يوم لأنه معاد فُضلك شيء في هالبلاد.”

أخبرني أحد الأصدقاء عندما سألته عن الجيوب السوداء الكبيرة تحت عينيه، كان يود أن يتحدث أكثر، فنحن لا نملك إلا الكلمات لإشباع الثقب الأسود في ذواتنا. قمت بتغيير الموضوع بعد رده على سؤالي، تمنيت أنني لم أسأله، وبدأنا نتحدث عن هوليوود، ومن أجمل مِن مَن، جينيفر أنسيتون أو ساندرا بولك؟ أنا لا أحب الشقراوات كثيراً، أما صديقي فيحب أي شيء غير موجود في هذا البلد.

ملاحظة: كل هذه القصص والأشخاص من محض الخيال التراجيدي للكاتب، وفي واقع الأمر  وضع البلد أفضل ما يمكن، والشعب كله سعيد ويقفز من الفرحة!

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية