الدستور الليبي المتناقض
article comment count is: 0

وفاء البوعيسي تكتب: ليبيا.. دستورنا، نكبتنا القادمة

انتهت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور من وضع نسخته الأخيرة، تمهيداً للاستفتاء عليها. وبهذه النسخة تأتي المادة 8 لتُدخِل البلاد في متاهة جديدة، وتدفع بها إلى فوضى لا مخرح منها، إذ تنص المادة المذكورة على “الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية مصدر التشريع وفق المذاهب والاجتهادات المعتبرة شرعاً، من غير إلزام برأي فقهي معين منها في المسائل الإجتهادية، وتفسر أحكام الدستور وفقاً لذلك”.

تعرّف الشريعة بأنها، جميع القواعد والأحكام التي شرعها الله لعباده، لتنظيم شؤون حياتهم الدينية والدنيوية، من واقع الكتاب والسنة، ومصدر حجيتها على الناس كافة، أنها جاءت من الله الأدرى بما يلائم الناس بكل زمان ومكان. والسؤال الذي يفرض نفسه على كل ليبي، هو أي إسلام بالضبط ذاك الذي يجب أن يؤخذ بأحكامه، فالإسلام صار آلاف الإسلامات اليوم؟ وأي المذاهب بالضبط هي المقصودة بالمادة، فقد اختُلِف في فهم القرآن والسُنة إلى مئات الفرق، وكل فرقة تقاتلت مع غيرها بسببه؟ فهل الإسلام المقصود هو إسلام داعش، أم أنصار الشريعة أم تنظيم القاعدة أم الإسلام الأشعري؟ ويا ترى من هم الفقهاء المقصودين بالمادة، فلطرابلس فقهائها من دار الإفتاء، ولبنغازي فقهائها من رابطة علماء الإسلام، ثم أن ابن تيمية فقيه له وجاهته لدى تيار “معتبر” بليبيا، وهو الذي صدّر كتبه في تكفير العباد، وتكريس سلطة النص مقابل كبح العقل، كما أن القرضاوي فقيه آخر “معتبر”، لدى جماعة الإخوان المسلمين، وهو الذي أسرف في الكلام عن مفهوم الأمة، على حساب الدولة الوطنية، ولا ننسى سيد قطب، ومحمد بن عبد الوهاب، فلكل فقيه منهم أشياع بليبيا.

ماذا لو أصر كل فقيه بليبيا على رأيه في مسألةٍ ما، وجاء بالحجج التي تدعم فتواه، كما أصر السيد الغرياني على أن الفيدرالية حرام، وفتنةٌ تكب صاحبها في النار، ونازعه في ذلك السيد سعيد نصر عقوب، عضو الاتحاد العالمي للمسلمين، الذي رأى في قول الغرياني جهلٌ بالدين ومجافاةٌ للحق وصحيح الدين، وقس على ذلك دسترة اللغة الأمازيغية، وعمل المرأة، والفصل بين الذكور والأناث في الفضاءات العامة.

هذه المادة المعسولة جداً، تنسف أي وئام في ليبيا، وتقودها للمجهول. إنها تجعل من الشريعة مصدراً وحيداً للتشريع، وهي بهذا تقوّض كل اتفاقيات حقوق الإنسان، التي ورثتها ليبيا عن العهدين الملكي والجماهيري، وعلى رأسها اتفاقيه سيداو، التي تحرّم ضرب النساء واغتصابهن. فالشريعة الإسلامية تبيح ضرب المرأة والطفل، وتُلزم المرأة بطاعة الرجل في الفراش ولو كانت كارهة، كما تقضي المادة 17، وهي تُرسي مبدأً خطيراً بالمادة 9 سيجر ليبيا إلى مزيدٍ من الإنغلاق، وتفريغ البلاد من النخب والتنوع الثقافي والديني، إذ تقضي بتحريم التمييز بين الليبيين مهما كان السبب، لكنها تُسقط التمييز على أساس الدين والاختلاف بالآراء الدينية منها، وهذا إقرار خطير بأن الشريعة تضيق ذرعاً بمبدأ حرية المعتقد، الذي هو حق أصيل من حقوق الإنسان. ولا ننسى أن تبني فهم مدني، لمسائل كالحكم وشكل الدولة والتمسك بالانتخابات والجيش، ترتب عليه قتل سلوى بوقعيقيص، وانتصار الحصائري، وعبد السلام المسماري، وذبح المئات من رجال الأمن والجيش وغيرهم، وقتل أئمة مساجد ببنغازي، كان لهم اختلاف في فهم الإسلام عن فهم غيرهم له، كما أن هذه المادة ستحول مستقبلاً، دون إجراء أي مقاربات فكرية للإسلام مع روح العصر، لأن صاحبها ليس محمياً من الدستور.

وأمام المادة 8، سيكون حق الجميع في السلامة الجسدية (مادة 38) مفرغاً من محتواه، إذ أن العقوبات البدنية في الشريعة، أمرٌ ثابت لا يحق الجدال فيه، وحق المرأة في التنقل وحدها بحرية (مادة 52) بلا معنى، لأن أحكام السفر في الشريعة، تمنع ارتحال المرأة دون محرمٍ معها، بل ثمة رأي يحرّم عليها الخروج من بيتها، إلا لعيادة أبويها أو إلى القبر، وستكون المادة 57 مادةً مضحكة، وهي التي تقرر حماية المرأة من ظلم العادات والتقاليد الاجتماعية. فمن ينكر أن فرض الحجاب، وانتزاع حضانة الأولاد الذكور من أمهم، ومنع الرياضة على البنات، والنظر للمرأة بأنها عورة وبأن بيتها أولى بها، هي أحكام لا تجد صدىً لها في الشريعة الإسلامية، وستكون المادة 21 عن تكافؤ الفرص في العيش هي حبر على ورق. والسؤال الأهم على الإطلاق الآن هو: بما أن الشريعة قد تكلمت في كل شيء، من الدخول للحمام إلى تحديد اليد التي يجب أن نأكل بها، والصرافة، والتعامل مع غير المسلمين، انتهاءاً بوجوب البيعة للإمام، فما الجدوى من السلطة التشريعية؟ ما الداعي لوجود 200 عضو برلمان يتقاضى كل واحدٍ منهم 13.000 دينار، عدا عن بدل السفر والسكن والعلاج بالخارج، ما الداعي وكل شيء يجب أن يُقال قد قيل بالشريعة الإسلامية، وكل ما يجب فعله هو مطالعة هذه الأحكام وأية أحكامٍ أخرى بمكتبات دار الأوقاف ببنغازي أو طرابلس، فهل نحن أمام ترتيبات ما لصفقة فساد سياسي أخرى محروسة بالدستور تحت غطاء تطبيق الشريعة؟

هذا الدستور هو نكبة ليبيا لما تبقى من أيامها، إنه تحصينٌ للشر، والإنغلاق، والتطرف، والجمود، والتمييز بنصوص دستورية، بل إن هذا الدستور يحصّن مال الأوقاف من رقابة الشعب (مادة 31) فيخرجه من أصول الدولة، ويتركه بيد من سيقرر أنه الأصح بفهم الإسلام، وقد رأينا كيف تصرف رجال الدين بأموال ليبيا منذ 2011، وكيف أنفقوا المليارات في استقدام المقاتلين الأجانب، والأسلحة والمتفجرات من كل مكان، وكيف هدموا أمن الجوار الليبي كله.

إن الكرة الآن هي في ملعب الليبيين، لركل هذه المواد خارجاً، لأنها ستنسف ما تبقى من سلمهم، وأحلامهم بوطن كريم وآمن للجميع، وعملية الإقتراع هي سرية تماماً، فلا يمكن معرفة من صوّت بالرفض على المادة 8 وما بعدها، من وسط مليوني ناخب يحق لهم التصويت، وأتمنى ألا يخاف الليبي من رفض المواد المذكورة، وألا يخاف على الإسلام أيضاً، فماليزيا هي بلد مسلم، وقد حققت قفزةً نوعيةً هائلة في التنمية والتحديث، حتى صارت رقماً اقتصادياً مهماً في جنوب شرق آسيا كلها، دون أن تخسر دينها، ورغم أنف الكل هي مسلمة وستظل.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية