كاريكاتير الساطور
الساطور
article comment count is: 0

مفتاح كيافي يكتب: ليبيا.. قصة القتيل رقم 4

بدأت الحكاية بمقتل أحد المواطنين في بنغازي. كان القتل والاغتيال وقتها قد أصبحا سلفاً خبراً عادياً، حدثاً يتكلم عنه المواطنون بينما يتناولون وجبة الإفطار، ومن ثم يدلي كل منهم بدلوه بالخصوص، كل مواطن لديه حزمة اتهامات ونظريات ومؤامرات ليعلن عنها.

وذات يوم ترك لي ثلاثة أصدقاء رسائل غريبة: “مفتاح”، “يا مان”، “وينك؟”، وبعد أن تواصلت معهم عرفت أن قائمة القتلى لذاك اليوم تضمنت شخصاً يحمل اسماً يطابق اسمي تماماً، ووصف في الخبر بأنه مدني،  كان من بين ستة أشخاص اغتيلوا ذلك اليوم، ولم يحظى هذا الشخص بأي اهتمام من أحد، لم ينعه الفيس بوك وتويتر، ولم تذكر له مقولة ما ليخلّد بها، هكذا فقط قُتل المواطن ورقمه في قائمة موتى ذلك اليوم (4).

ومن هنا قررت الاهتمام بالقتلى، خاصة أولئك الذين لا يهتم بموتهم أحد. وانطلقت أبحث عن قصصهم الخاصة، عن أماكن سكناهم وظروف حياتهم، وأي نوع من البشر كانوا ومن هم أصدقاؤهم وعائلاتهم، وأي المقاهي يرتادون، وطباعهم وأحلامهم إن كانت لهم أحلام. ومن القصص المثيرة، أنّ أحد هؤلاء المهملين قتل في ظروف غريبة، حيث أنه إنسان انطوائي، لديه صديق واحد وبالكاد يخرج من غرفته، ولكنه قتل في موقع اشتباك بعيداً عن أي تجمع سكاني، وبدا تفسير عائلته التي رجحت أنه كان قد خطف وتم اقتياده إلى هناك منطقياً إلى حد ما، إلا أن صديقه أخبرني أنه حاول الانتحار مرتين، مرة في عهد سبتمبر ومرة في عهد فبراير. لم يكن لدي شك أنه ذهب إلى هناك حيث الصواريخ والقنابل لتجربة حظه للمرة الثالثة، ليس هنالك طريقة أضمن وأسرع للانتحار، وعلى الأقل لن يترك لعائلته عاراً اجتماعياً من نوع ما.

وعندما كانت موجة الاغتيالات في أوجها في بنغازي، كنت أتكفل دائماً بتفقد سيارات الأصدقاء قبل أن ننطلق من أي مكان، أجثو على ركبتي وأبحث عن شيء لا أعرف شكله حقيقة، هذا كان قبل أن يقدم “إسحق جعودن” نظريته المشهورة تلك، وأصبحت أنا أيضاً محل سخرية أصدقائي: “مفتاح يحب الحياة”، وهذه تهمة لا يرضى بها أي ليبي شريف بالطبع. لكنني – حقيقة – لم أكن متعلقاً بالحياة ولا خائفاً من الموت، كل ما في الأمر أنني لم أرد أن أموت هكذا ميتة شنيعة، أردت أن أحتفظ بوجهي ليتسنى لأمي تقبيله، وأن يكون جسدي صالحاً لضمة وداع، وهذه أمنية لا أخجل منها على الإطلاق. كما أنني لم أرد أن أكون علكة في أفواه القمّامة، هؤلاء الذين يتاجرون بكل جثة تخدم أهواءهم ومصالحهم، فالجثث في ليبيا ليست سواسية، والجميع يعرف أن جثث أطفال بني وليد ودرنة والقبة وورشفانة وبنغازي ليست سواء، وأن مهجري تاورغاء وككلة ليسوا سواء، وأن الساحل أكثر بياضاً من الصحراء. والقمّامة ينهشون كل جثة في طريقهم، وأنا أردت حزناً حقيقياً خالصاً لي، حزناً يليق برجل مسالم وسيدة لطيفة لأبعد حد.

واليوم يقبع صديق لي رهن الاعتقال ظلماً وبهتاناً، وهو إنسان هائل وفي منتهى اللطف، تجوب العالم ولا يصادفك من يضاهيه صدقاً وإنسانية، وقد تضامن معه بعض الأصدقاء وكثير من القمّامة، واليوم أيضاً قتلت فتاة في طرابلس ظلماً وبهتاناً، وهي إنسانة لا أعرفها، ولكن ابتسامتها تغرقك في بركة من الألم، وقد تضامن معها أيضاً بعض الأصدقاء وكثير من القمّامة.

فإلى متى سيتطفل هؤلاء على أحزاننا؟ وإلى متى ستُسرق منا خصوصية الألم؟

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية