article comment count is: 0

“أول الساقطين”.. تجربة مجنونة لحكاية حرب ليبية

“لم أعش هذا من قبل. لم أعش حرباً ولم أر بشراً يموتون. لا أدري كيف سأعيش حياة طبيعية بعد كل هذا”، هكذا يتساءل حميد في الفيلم الوثائقي “أول الساقطين” First to fall.

 كيف يمكن أن تغير الحرب ملامح شخص بالكامل، حياته وفكره وتوجهاته، بل وشخصيته تماماً. حميد وطارق شابان لم تعد حياتهما كما كانت قبل الحرب. طارق انتهى في كرسي متحرك بعد أن أصيب نصفه السفلي بشلل ناتج عن إصابته في حرب تحرير الزاوية. وحميد، الذي استبدل الكاميرا بالبندقية، ترك حياته الكندية الحافلة، ليستقر في ليبيا.

تجربة مجنونة وخطيرة

ريتشل بث أندرسون، صحفية أمريكية، عاشت وعملت في مصر قبل اندلاع الثورة هناك. وحين بدأت في الثورة في ليبيا، قررت الانتقال إلى ليبيا مع الشابين حميد وطارق، “اعتقدت أني سأمضي بضعة اسابيع قليلة في ليبيا، فظللت بها سبعة أشهر كاملة”، تقول أندرسون، وتضيف: ” ليبيا كانت تجربة لن أنساها أبدا. تجربتي الأولى مع الحرب. تجربة مجنونة وخطيرة”.

لم تعرف ريتشل لحظات خوف محددة. أيام الحرب تتشابه، وشغلها كان متابعة حميد وطارق والعودة من ليبيا بفيلم عن الحرب. وتعبر عن ذلك بوضوح: “كنت على الجبهة في مصراتة،  لم يكن الأمر متعلقا بي، بل بالشابين وما يحصل لهما. حين أسافر للعمل، فإن ما يهمني هو ألا أعود فارغة اليدين”.

كانت ريتشل حاضرة في مهرجان الفيلم الوثائقي الدولي في أمستردام  IDFA، وهو أكبر مهرجان في العالم خاص بالوثائقي. عرض فيلمها هناك، ولقى ترحيباً واسعاً. حين سألها أحد الحاضرين في القاعة بعد عرض الفيلم كيف تعامل معها الليبيون، وهم شعب محافظ جداً، أجابت بأنهم كانوا كرماء جداً، وأنهم حموها وساعدوها في كل شيء، تماماً كما فعلوا مع كل الصحفيين الذين كانوا معها في ليبيا، فما كان يهمهم بالأساس هو نقل حكايتهم للعالم.

كوابيس حرب

حميد (26 عاماً) وطارق (21 عاماً) قررا أن يتركا دراستهما في كندا، ويعودا إلى ليبيا مع بداية الثورة للمشاركة فيها. كانت حياة حميد في كندا، حافلة بكل ما يتمناه شاب في عمره: دراسة وأصدقاء وسهر وكثير من العبث، حسب قوله في الفيلم.

طارق، الذي تيتم وهو طفل، لم يخطر بباله أن يعود إلى ليبيا يوماً لأي سبب كان. وفي كندا، كان حميد، بمثابة أخيه الأكبر. كان فكره قد استقر على الاستقرار في كندا العمر كله. حين تابع عبر الإنترنت مع حميد،  ما يحدث في ليبيا، شعر الاثنان أن مكانهما لابد أن يكون هناك، مع شعبهما وعلى أرضهما. يقول طارق إنه كان سيندم طيلة حياته لو لم يؤد واجبه تجاه وطنه.

حميد من مصراتة، دخلها مصورا صحفيا وهي محاصرة، ولكنه سرعان ما حمل السلاح، وتخلى عن الكاميرا. أصيب في رجله، وأجريت له ثلاث عمليات جراحية. وقبل أن يشفى تماماً، عاد إلى جبهة القتال، واستمر فيها إلى أن تحررت مصراتة. بعدها، لم يعد أبداً إلى كندا. يبدو أن الحرب أنضجته كثيراً، فتحول من شاب مرح جداً ولا مبال، إلى شخص مسؤول، يحمل هماً كبيرا، ويشعر بمسؤولية أكبر، وهو يعمل الآن في وزارة الدفاع في طرابلس.

طارق، حارب في مصراتة. وحين اشتعلت الزاوية، مدينته، انتقل إليها عبر طريق معقدة. ولكنه وصلها وقاتل ضد قوات القذافي، وأصيب إصابة بالغة اتضح بعدها أن نصفه السفلي أصيب بشلل تام، انتهى به في كرسي متحرك. هو الآن في كندا يتابع جلسات العلاج، ويهدئ من الألم بأدوية. في الليل تنتابه كوابيس، يرى فيها صور الحرب التي عاشها، ولكنه لم يفقد الأمل، لا في شفائه ولا في ليبيا حرة حقاً.

ريتشل بث أندرسون ستعود إلى ليبيا. لا تعرف متى بالتحديد، ولكنها ستعود حتماً لتتابع حكاية الحرب التي لم تنته بعد.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية