article comment count is: 0

حنان نويصري: “اضطررت للتخلي عن عملي”

“صحوت فجراً على صوت رسالة هاتفية. كانت مرفقة بصورة شاب في العشرين، بلحية طويلة وملامح قاسية. في وسطه حزام ناسف، وعلى كتفه آر بي جي. مع الصورة رسالة كالآتي: “صباح الخير أستاذة حنان، اعتبريني مثل أخيك. خسارة، لو لم تكوني مطلقة، كنت تزوجت بك. وعموماً شوفي لي أي واحدة تقبل بمثلي. قولي لها: أنا صحيح ملتزم، لكن “بنفهم في الجو”. وهذه صورتي، وريها للعروس. وحتى لو عندها صغار، موافق نتزوجها”.

شعرت بالرسالة تهديداً مغلفاً، مع أنها تعودت على تلقي تهديدات مباشرة، أو عبر أشخاص، أو أثناء مرافعاتها بالمحاكم، وأمام القاضي، كما تؤكد ذلك.

حنان نويصري، محامية معروفة بمرافعتها في قضايا الحضانة  التي تطالب بها أمهات غربيات، لهن أطفال مع الأب في ليبيا. يعود الأب الليبي للاستقرار في ليبيا بعد الانفصال عن زوجته الغربية، ويأخذ أطفاله معه، فيفقد الطفل منهم كل تواصل مع أمه. وهي القضايا التي سببت لها متعب كثيرة وكانت مصدر التهديدات الرئيسي لها.

كل صباح قبل ما تغادر بالسيارة، تتأكد نويصري أولاً بأن معها رشاش الفلفل والسلاح الأبيض، ومبيد حشرات من أقوى الأنواع. تغلق أبواب السيارة بإحكام وتبدأ رحلتها اليومية. تتوقع نويصري أن أي شخص أصادفه، لا علاقة لها به، يمكن أن يتعرض لها، وتوضح: “أي شخص في السيارة جنبي، قد يعنفني بإشارة على عنقه بأنه سيذبحني، أو بالتشهير بمسدسه من نافذة سيارته أو أي شيء آخر.. ويحدث أحياناً”.

غير أن مصدر التهديد المزمن لها، كانت بسبب القضايا التي تترافع فيها، والتي كسبت معظمها ولكن مع وقف التنفيذ، ويحز ذلك في نويصري: ” بل حتى الحقوق البسيطة، مثل رؤية المحضون أو زيارته من طرف أمه الغربية، لم أستطع أن أدخلها لحيز التنفيذ. وما كان عليّ إلاّ أن أبلغ الأمهات وسفاراتهن ومجلس الحقوق والحريات بذلك للأمانة وكما يتحتم عليّ شرف المهنة. لم يعد باستطاعتي أن اقوم بأداء دوري في هذه الظروف، تحت القسم والقوة القاهرة. ولذلك كان الأجدر أن أنسحب”.
لم تتنازل نويصري تماماً عن المحاماة، فهي لا تزال مسجلة في سجل المحامين والنقابة، ولكنها تشعر بالعجز عن أداء عملها كما يجب، وتوقفت عن الممارسة، تقول: ” أشعر أني أمتهن مهنة غير شريفة أمام عجز المنظومة القانونية برمتها، من القاضي للمحضر لأعضاء النيابة. الكل خائف. القاضي يُضرب ويُخطف ويهدد في المحكمة ويُغتال أيضاً. كما أشعر بعدم الانتماء لنقابتي (النقابة العامة للمحامين في ليبيا)، وأنا جد خجلة من مواقفهم التي لا ترتقي لدورهم الذي تفترض فيه العدالة والدفاع عن الحق. خاصة وأني لجأت لهم أكثر من مرة للتضامن معي، وتعيين محامي لي. وقدمت طلبات كتابية وقعوا عليها، ولكن لم يعينوا لي محاميا ولا اهتموا بدعوتي ضد خصومي في مصراته. وتم تجاهل نقل القضايا من مصراته إلى طرابلس كما طالبتُ بعدما أصبحت حياتي في خطر في مصراته. وبالتالي شعرت أنه أخلاقيا لابد أن أتوقف ولو مؤقتا في هذه الظروف عن ممارسة المهنة”.

كان آخر تهديد بالقتل جاء لحنان، من مصراته، من مصدر معني بإحدى قضايا الحضانة التي تترافع فيها. أبلغها المصدر الرسالة التالية: “إذا حنان جات على مصراته مرة تانية، راح نقتلها قبل ما تدخل بوابة الدافنية”، وقد جاء التهديد متزامنا مع مقتل زميلتها المحامية حميدة الأصفر.

أما أحد الأشخاص، أب لطفل أمه ألمانية- كانت نويصري تترافع عن حقها في حضانة ابنها- قال لها مهدداً: ” يا عبدة اليورو، يا عميلة، يا صهيونية، بننتقم منك منك ونفضحك لو ما سيبتيش شغلك”.

الغريب أن هناك من عرض عليها، أن يساعدها ويجعل كتيبة تحت أمكرها، “تربي” أي شخص تنوي أن ترفع ضده دعوى لدى المحكمة، ولكن بدون قضايا ومحاكم.

تقول نويصري: “أنا بطبيعتي لست جبانة، وليس الخوف هو رادعي. الموت قد يتربص لنا في أي ركن حتى داخل البيت، فالخطر قائم باستمرار. ولكني بدأت أشعر بالقرف، بازدراء كل الظروف التي تحيط بكل شيء. في المحاكم، في المستشفى، في المطار. أصبح الخروج إلى الشارع مؤلماً ومؤذياً نفسياً. بقائي في البيت أكبر وقت ممكن هو لتجنب رؤية الظلم في الشارع. أعتقد أن التهديد في اليبيا أصبح لايف ستايل، من تفاصيل الحياة اليومية، وجزء من الثقافة الليبية العامة”.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية