article comment count is: 0

مفتاح كيافي يكتب: الحرب.. أطفال ليبيا وكلابها الهائلة

بعد قرابة أربعة أعوام من الحروب والمناطحة، أصبح من المفترض أن معظم الليبيين يعرفون الآن – تمام المعرفة – أن الحرب خيار في منتهى الرداءة، وأنها عمل أحمق لا علاقة  له بالحلول، بل إنها في أحسن الأحوال حل لمشكلة واحدة، بينما نتائجها تخلق عشر مشاكل جديدة. بالإضافة إلى أن معظم الليبيين قد تذوقوا اليوم الطعم الحقيقي للنزوح والتشريد، وألم الهروب الحافي في ظلمة الليل، تاركين وراءهم طنجرة على النار وجوارب مبعثرة، وذكرياتهم ورائحة بيتهم المميزة ليعبث بها الغرباء المتقاتلون. وتلك اللحظات المرعبة والمخزية التي تختبئ فيها عائلة ما تحت السلالم، في محاولة بائسة لإنقاذ أنفسهم من الموت والخوف.

بينما يحدق الأطفال في أبيهم المرعوب، الذي يصرخ في وجوههم بشدة كلما أطلع أحدهم رأسه خارج حدود السلالم، وأمهم مبلولة العينين لا تتوقف عن النواح والدعاء: “يا ربي، يا ربي”، “يا ربي كسّر أيديهم هالكلاب”، هكذا تنهي دعاءها كلما اهتزت أركان البيت وارتعش قلبها وقت سقوط قذيفة غبية. لكن دموع أطفالنا قد جفت، ازرقت شفاههم ولم يعودوا يشعرون بالخوف حقيقة. ولابد أن رؤوسهم الصغيرة تعج بالتساؤلات والحيرة.

لقد أمضيت وقتاً طويلاً من طفولتي أبحث عن الله والشيطان، أجلب لأمي كل شيء أراه لأول مرة في حديقة بيتنا وأسألها:

“هظا الله؟”

لا.

“باهي الشيطان؟”

لا.

أظن أطفالنا اليوم يبحثون عن كلاب خرافية هائلة تجيد القصف بالهاون والجراد، تصلي وتصوم ابتغاء مرضات الله من جهة، وتتغنى بالوطن والثورة من جهة أخرى، وتقتل أطفالنا وتنتزع روحهم البريئة في سبيل ذلك كله. لكن الحرب في النهاية تبتلع الجميع، وينظم إليها الشيوخ والأطفال أيضاً، فالانضمام للحرب أو رفضها ليس خياراً كما يبدو من بعيد، وهنا يكمن شرها وخبثها, الإنسان لا يحظى بفرصة الحياد وهو يتعرض للقصف والترويع، ووابل الدعايات الخبيثة التي تكرس الحمق والكراهية على شاشات التلفزيون والإنترنت.

وقد حصل في ليبيا عدة مرات أن فقد أحدهم حياته جراء قذيفة طائشة أطلقها فريقه المفضل لتحط فوق رأسه، حصل من أيام (سِـيدي النيتو)، ولكن الإنسان – بكل ضعفه وسخافته – يجد ألف عذر ونص مقدس لتبرير شقائه وفقدان أحبابه. فالجهل والسخافة لا يقفان عند حد، وكلما ابتلعت الحرب ليبياً جديداً في عقر داره، كلما توسع نطاق الكارثة واكتسب الموت والقنابل على حد سواء قدسية السماء. سادة الحروب وتجارها يعون هذه الحقيقة أكثر من غيرهم.

ويحكى في كتب التاريخ الحقيقي والمزيف أن بعض الهنود الحمر قاتلوا مع الفرنسيين والبعض الآخر قاتلوا مع الإنجليز، وقد كانوا يفعلون ذلك نكاية في بعضهم البعض فقط، فبينما كان الإنجليز والفرنسيون كلما انتصروا في معركة شيدوا قلعة ورسموا خريطة جديدة، كان كل ما يطلبه الهندي هو فروة رأس هندي آخر. يا إلهي ما أغبى الهنود وما أسخفهم.

لكننا لا نستطيع أن ننكر أيضاً  أن للحرب سحراً خاصاً وخادعاً، لا يضاهيه إلا سحر الروايات والأساطير وسطوة الدين والحشو التاريخي، فخلال الحرب تشيع بين الناس ألفاظ فخمة تزيد الأمور سوءاً، يتورط فيها الجميع وتطيل عمر القتال والهمجية. حيث تجد الناس يتحدثون عن النبل والشجاعة والوفاء وقوة الزند، ممتلئين بالحماسة والهلع في آن.

 

ستمضغك الحرب أيها الآمن المسالم، ستمضغك ومن ثم تبصقك ناراً شريرة مستعيرة تلتهم كل ما حولها. لقد حصل ذلك على مر العصور، وسيظل يحصل دائماً حتى يصبح أطفالنا كلاباً هائلة.

وأظل أنا أبحث عن الله والشيطان.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية