article comment count is: 0

سعاد سالم تكتب: نساء ليبيا ما وراء الحجاب

كنت في سن الثامنة والتاسعة فتاة طويلة، أرتدي مثلما أقراني الشورت والفساتين القصيرة في مداومتي على الكتّاب يوميا وطوال العطلة الصيفية. أحمل (الدواية) وفطوري أنا وإخوتي متجهين إلى الباحة المظللة بشجرة توت ضخمة في جامع سيدي عبدالغني بشارع بن عاشور- قُطعت التوتة منذ منذ زمن وحل محلها خلوة- نكتب على الألواح الآيات وتدوّي أصواتنا بها في تلك الصباحات البعيدة الجيدة.

ولكن، هذه الفتاة التي في عمري آنذاك تنظر في عيني مباشرة وهي مغطاة بالكامل بجلباب أسود وغطاء رأس محكم بلون أبيض وتسألني دون أن يرف لها جفن:(علاش مش متحجبة ؟). كنت في أحد المطاعم والتقيتها في المكان المخصص للمغاسل ..رأيتها في المرآة تنظر إليَّ فتبسمت لها. وكانت تلك فيما أتصور أولى مواعظها. حدث ذلك في العام 2008.

أما التلاميذ الصغار الذين يتصادف أن أجد نفسي وسط حشد منهم في شارع ما في موعد تسريحهم، فيظلون يحدقون بي ويلوون رقابهم الدقيقة حتى يتوارى أحدنا لشأنه وكأنني مخلوق هبط من مكان ما.

بنت في الرابعة، في مناسبة اجتماعية خاصة، وحينما هممنا بالمغادرة وغطت كل واحدة من الحاضرات نفسها بعباءة سوداء لا تخلو من الزخارف واللمعان، سألتني وهي ترفع رأسها صوبي: (علاش عريانة؟). كنت أكثرهن حشمة ما قبل نزول تلك العباءات، فأنا أرتدي تنورة إلى الركبة وقميصاً بأكمام طويلة، وشعري حر ووجهي بلا مساحيق.

ربما فبراير أطلقت سراح كل تلك الخرافات عن الخلافة بوجهها القبيح، كما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن الجوزية، وكما أحياها وأضاف إليها عبدالوهاب. وكلهم يُطلق عليهم علماء! لكن الأمر كان سابقا لسقوطنا الصريح والعلني في كتب التراث الذكورية والمتوحشة، فقبل فبراير كانت نصف المذيعات قد تحجبن والصحفيات والمعلمات والطبيبات والمهندسات، وأغلب المثقفات والشاعرات والأديبات وخريجات الكلية العسكرية وضابطات الشرطة. وقبل هذه الموجة من الحشمة كما بات مسلما بها، سبقتهن إلى تغطية شعرها عائشة معمرالقذافي، ومن فتاة متمردة تقرأ بيانا متوعدا عقب الغارة الأمريكية على بيتهم في باب العزيزية، ومن شبيهة لعارضات الأزياء في الجامعة، تحولت إلى داعية تقريبا هي وجمعيتها، ومن “عائشة” اسم الجمعية، إلى “واعتصموا”، وهو كما لايخفى رمز اسلامي وله دلالات الضعف والاسثغاثة  في كتب التاريح الإسلامي. ناهيك عن تولي هذه الجمعية تنظيم مسابقة لحفظ القرآن كل عام للنساء من مختلف دول العالم.

وقبل أن يملأ الشاشات الليبية الخاصة والعامة منذ العام 2011 وحتى الآن، الخطاب الديني المتشنج والمعادي للنساء، كان الأثير قبل فبراير أيضا باشر في فتح المجال لدعاة كل اهتمامهم وهم يصدحون في أجهزة راديو السيارات – متى ما توقفت في الشارات الضوئية ستسمعها- تصرخ بالحجاب بكل مستوجبات المفردة (الحجب) وارتباطه الشرطي بالأخلاق.

منذ وقت والليبيات يمضين حقا صوب الحرملك ويجتهدهن بعلمهن أو لا في صياغة الحريم الديني، لأنهن في مجملهن يتصورن أنه خيارهن الحر كما تعتقد طالبتي الثانوي اللتان سألتهما هل الحجاب مفروض عليكما في المدرسة، فأجابتا وبصوت واحد: لا!

وخلال الأعوام العشرة الأخيرة ما قبل فبراير، اختفت النساء الليبيات من تولي الوزارات (اللجان الشعبية العامة)، وكف الحديث نهائيا عن ضابطات كليتي الشرطة والجيش، وانحصر أداء خريجات كلية الشرطة  في الأعمال المكتبية ليكّن هن وضابطات الجيش اللاتي شاهدنهن أثناء الثورة يدربن النساء وفي أكثر من لقاء تلفزيوني، لقمة سائغة لكهنة الإسلام، إذ لحق بعضهن الاغتيال إسوة بالضباط الذكور..

وتصاعدت لغة التمييز والتعهير بلا رادع  لهش النساء إلى حظائر الطاعة والتهيئة للحجب التام، كما يرغب أئمة التشدد. وهذا ليس خيالاً دينياً، ففي أفغانستان والعراق والصومال، ومؤخراً تنظيم الدولة حيث يرفع راياته، تملأ النساء تلك الحظائر.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية