article comment count is: 0

خليل الحاسي يكتب: ليبيا.. لا إحم لا دستور!

مع السعال الثوري- الديني، والتكبيرات والشعارات الدينية المؤطرة لحراك التغيير منذ البداية، والتي لا تصلح إلا للاستهلاك الإعلامي في سوق المجتمعات التي تضيع منها الوسائل، وتغيب عن أفق أحلامها الغايات.

يدعي الفكر الإسلامي أن الشريعة قد أحاطت بجميع مظاهر الحياة. وذلك ما تكذبه الوقائع التاريخية ويُفنِّده المنطق ويدحضه عامل التغيير الذي يُشعل التطور في العالم الجديد

ضاعت الكثير من الاستحقاقات الوطنية حتى قبل أن تتحقق. وبعد فشل كل شيء، لم يبقَ من حلمنا الليبي إلا مشروع الدستور الذي عوَّلنا عليه كثيراً ليكون على أقل تقدير، الإنجاز الوحيد الذي يحفظ ماء وجوه أهل ليبيا الذين وعدوا أنفسهم ووعدوا العالم بالكثير. طال بنا انتظار مشروع الدستور مدَّة سنتين، كدنا أن نصلي في نهايتهما صلاة استسقاء دستورية, رجاء نزول نسخة المشروع وتداولها في الأوساط الثقافية والإعلامية. ولكن في نهاية المطاف خرج الدستور للنور بعد رحلة الانتظار، استجابة لضرورات الاتفاق السياسي المتعثر، ولم يكن نتيجة إبداعية للعامين السابقين.

قرأت نسخة الدستور بعناية كمواطن يؤدي واجبه الوطني في المقام الأول، وفي المقام الثاني، كمهتم بمآلات المعارك القانونية التي ستجعل الدستور سنداً لها لاستخلاص الحقوق، وخلق المساواة بين الجنسين وضمان تكافؤ الفرص… إلخ من الضرورات الحقوقية الإنسانية. وعبثاً حاولت استشعار مبدأ السمو الدستوري داخل مواد نسخة الدستور المعدة للاستفتاء الشعبي. لقد خلت النسخة من السمو الموضوعي والشكلي، كحال هذه البلاد الخالية من كل شيء إلا الفوضى. وأقصد هنا بالسمو الموضوعي، أي الوجاهة الكامنة في مضمون القواعد الدستورية التي تتعلق بأساس الدولة وبنيانها الرئيس. هنالك أيضاً ما يسمى نظام “الضوابط والتوازنات” الذي يحافظ على المسافات بين السلطات الثلاث ويمنع بغي إحداهما على الأخرى. وهو ما لم يكن واضحاً كنظام داخل الدستور. وأنا هنا لست مؤهلاً للدخول في تحليل للنظام الدستوري داخل الدستور، لذا سأترك ذلك لأهل الاختصاص وفقهاء الدساتير. على كل حال، لم تكن نسخة الدستور النهائية المخيبة للآمال بدعاً من الفشل الكبير العام الذي أصاب ليبيا في كيانها السياسي.

قبل عامين من تاريخ صدور نسخة الدستور المقدمة للاستفتاء، انكبت منظمات العمل المدني على إقامة ورش العمل، واجتهدت في تنظيم الموائد المستديرة التي جمعت أهل الاختصاص والتجربة. وقد انبثق عن كل ذلك الحراك المدني المحموم توصيات وأفكار مهمة قُدمت للهيئة التأسيسية للجنة صياغة الدستور. وعند النظر داخل مواد نسخة الدستور المقدمة للاستفتاء نستطيع القول – بحسن نية – إن لجنة الصياغة لم تستلم أي شيء من تلك المجهودات، أو أنها – بسوء نية – وضعتها في أكثر الأدراج المهملة فور استلامها.

اعتُمد مشروع الدستور المقدَّم من الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، في التاسع عشر من شهر أبريل 2016. وتضمن المشروع 221 مادة. ولا شك أن الدستور المرتقب لم يكن شراً كله، فقد فاجأنا بحضارية “المادة 45” التي تحظر التكفير وفرض الآراء بالقوة في سياق حديثها عن حرية التعبير. إلا أنه كان مخيباً على مستوى التعددية الثقافية وحقوق المكونات الثقافية الليبية الأصيلة.

أفرد المهتمون مساحات للحديث عن مجموع المواد داخل الدستور، ولكن، ما أثار اهتمامي على وجه خاص، المادة الثامنة والتاسعة من نسخة مشروع الدستور، فقد كان نص المادة الثامنة أبرز ما جاء في سياق نبوءة الفشل القانوني القادم: “الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية مصدر التشريع وفق المذاهب والاجتهادات المعتبرة شرعاً، من غير إلزام برأي فقهي معين منها في المسائل الاجتهادية. وتفسر أحكام الدستور وفقاً لذلك.” هكذا تنتهي “المادة الثامنة” المثيرة للجدل على مستوى المفردات المستخدمة وعدم وجود تعريفات جامعة ودقيقة تحدد دلالاتها. فمثلاً، لم تذكر صياغة الجمل، هل الشريعة تعد مصدراً وحيداً أم المصدر الرئيس؟ رغم عدم الاختلاف الجوهري بين أن تكون الشريعة الإسلامية مصدراً وحيداً أو رئيسا للتشريع. إن كل ذلك يعود بنا لمحاولة فهم تعريف الشريعة التي تتسع داخلها المسافات بقدر اتساع الأفهام وتباينها من عقل لآخر.

يدعي الفكر الإسلامي أن الشريعة قد أحاطت بجميع مظاهر الحياة. وذلك ما تكذبه الوقائع التاريخية ويُفنِّده المنطق ويدحضه عامل التغيير الذي يُشعل التطور في العالم الجديد. وعند النظر لماهية الشريعة الإسلامية على أرض الممكن الواقعي، نجد أن حقـل التفسيرات داخلها يتسع،  ويرتفع الزخم داخل دائرة التأويل والتأويل المضاد للنصوص الدينية بقدر اختلاف الأفق الثقافي والمعرفي بين المفسرين، وفي خضم كل ذلك يكون لكل جماعة دينية  نصيبها الوافـر من ادعاء اختزال الحقيقة المُطلقة بمذهبها. فكيف ارتضى كتبة الدستور الدخول بنا في ممكنات ذهنية، وتأويلات هلامية تخضع للظن لترضي تراثاً عمره ألف عام، وتتجاهل أحلام الأحياء التي ارتد إليها البصر خاسئاً بعد مطالعتها لهذه المواد المخيبة للأمل. أكثر من ذلك، فإن “المادة 217” التي تتكلم عن تعديل الدستور وإجراءاته، تقول في نقطتها الثانية: “لا يجوز المساس بالمبدأ الذي تقوم عليه المادة الثامنة من هذا الدستور.” وبهذا تغلق الباب بقسوة أمام التدقيق والتمحيص وتترك باب التأويل مشرعاً أمام كل الجماعات الأصولية لتحارب القانون بالقانون، وتصادر السند القانوني اللازم لسن القوانين التقدمية التي تنشد التأسيس لدولة القانون الحديثة في المعارك القانونية القادمة. وفي إطار الحديث عن مبدأ المواطنة. قالت المادة التاسعة:  “المواطنون والمواطنات سواء في القانون وأمامه، لا تمييز بينهم. وتحظر كافة أشكال التمييز لأي سبب كالعرق أو اللون أو الجنس أو الميلاد أو الرأي السياسي أو الإعاقة أو الأصل أو الانتماء الجغرافي. وفق أحكام هذا الدستور.” من المثير أن المادة ذكرت كل المعوقات والحواجز التي كانت ولا زالت تقف حائلاً أمام مسيرة المساواة الإنسانية. إلا أنها سكتت عن أهم ما يجب قوله. وهو رفع التمييز بين أفراد المجتمع على حساب “الدين”. إذ لا يخفى عن القارئ في تجربة الشعوب مع الفكر الديني والحروب الدينية الطائفية والمذهبية أن رفع التمييز له مكاسب عظيمة على مستوى قضية التعايش السلمي، حتى وإن كان كل أفراد المجتمع يدينون بدين واحد. ذلك أنه يمنع التدخل في عقائد المواطنين, وبالتالي، يوفر الضمان الحقيقي لعدم اندلاع صراعات مذهبية وطائفية.

يبدو من الجلي أن بعض المواد في نسخة مشروع الدستور النهائية المطروحة للاستفتاء الوطني, قد تجاهلت ضرورة الاتساق والتماهي مع أخلاقيات العالم الجديد. بل إن الدستور المرتقب قد نأى بنفسه عن سياق التغيير، وكان من المفترض أن يكون ثمرة جديدة لثورة افترض لها أن تكون ثورة تحرر وتحرير، ليس من النظام السياسي السابق فقط، وإنما من كل السلطات الطارئة على إرادة الإنسان. كسلطة الدين والتراث. من حق الفشل علينا، إذن، أن نعترف على الأقل بحضوره القوي خلال تجربة الخمس سنوات الماضية، وأن نعترف أيضاً أن الأجيال القادمة التعيسة لن تجد أمامها أي منجز حضاري يتفاعل مع محيطها الإنساني مكوناً قوة روحية تأسيسية لدولة القانون والحريات التي تؤمن بالتعددية الثقافية ولا تعاني من أزمات الهوية والخوف الثقافي.

علمتنا التجربة الإنسانية أن المجتمع عندما يقرر البدء في رحلته الشاقة من عبودية الموت إلى حرية الحياة، فإن الساحة الثقافية داخله سوف تتنازعها قوى العقل والمنطق، وقوى الخرافة والأسطورة. ولن تعمر الأرض إلا بسيادة قوانين العقل، ومنطقيات الواقع المعاش الذي يضع مصلحة الإنسان فوق كل اعتبار. ومن المعلوم أن الدساتير تستمد قوتها من المصدر, كما تستمد مثلاً النصوص الدينية قوتها من المصدر الإيماني – الغيبي. وبقدر ما تصدر الدساتير انطلاقاً من إرادة الشعب، بقدر ما تكتسب المشروعية والوجاهة داخل الضمير المجتمعي والقانوني. أما الدساتير التي تتجاهل تطلعات الشعوب وأخلاقيات محيطها الإنساني، فلن يكون لها وقع داخل الضمير القانوني، ولا المجتمعي أيضاً.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية