احتلال العقل، الإعلام في خدمة الحرب Huna Libya
الإعلام والحرب: سيطرة وتضليل article comment count is: 0

احتلال العقل، الإعلام في خدمة الحرب

يُنسب لـ “جوزيف غوبلز” وزير الإعلام الألمانيّ خلال الحِقبة النازية مقولتان.الأولى: ” اِكذب اِكذب اِكذب، حتى يصدّقك الناس” و الثانية: ” كلّما سمعتُ اسم (مثقف) تحسّستُ مسدّسي”.

لم يُكتب لأحد أهمّ رجال الدعاية السياسيّة في العالم أن يشهد ذروة ثورة المعلومات، التي تحقّقت بفضل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي كـ” الفيسبوك” و”التويتر” و”الانستجرام” وغيرها من هذه البرامج، والتي تعمل بالتوازي مع الإعلام التقليدي أو ربما بخطوة أسبق. فجعلت الكثير من السياسيّين ورجال المال والإعلاميّين والمؤسّسات الحكومية والأهلية يقضون وقتاً أطول مخاطبين الجمهور عبر هذه الشاشة، إضافة لإتاحة الأمر للمستخدم العاديّ أن يكون صحفيّا رقميّا متى أراد. ذلك أنّ هذا الفضاء الافتراضي كسر الاحتكار بامتياز.

المستخدم العاديّ على منصّات التواصل الاجتماعي يمكن أن يكون صحفيّا رقميّا متى أراد. ذلك أنّ هذا الفضاء الافتراضي كسر الاحتكار بامتياز.

الإعلام أخطر سلاحٍ في أيّ حرب، فلم تعُد استراتيجيّة “ضخ المعلومات المضللة بشكل كبير” هي السبيل نحو عقل المشاهد؛ فلقد تعدّى الأمر اليوم إلى تطعيم الأخبار بشيءٍ من الحقيقة أو بمعنى أدق رواية الحقيقة بزاوية واحدة، يمكن بذلك تشكيل وعي المواطن دون النظر إلى التحصيل المعرفيّ لديه إن كان مرتفع أم لا!

خطوط النار على جبهات الإعلام

” يقدم الفيسبوك خدمة المنشورات المُموّلة التي يستطيع من يدفع أكثر أن يضع منشوره أو صورته لوقتٍ أطول أمام الملايين من المستخدمين”

لم يعد إنشاء القنوات الإعلامية أمراً صعباً خلال السنوات الأخيرة، في ظل غياب الرقابة، سواء الرقابة الحكومية التي احتكرت الإعلام في زمن ما ومارست بدورها تضليلا إعلاميا من نوع آخر. أو الرقابة الذاتية والأخلاقية لهذه الوسائل التي يقع عليها زيادة الوعي بالقضايا التي تهم المجتمع.

تحوّلت القنوات والصفحات من مِنصّات إعلامية إلى دكاكين سياسية تبيع الوهم لمن يدفع أكثر، فبفضلها يمكن صياغة الخبر على هوى صاحب المال، وهو الذي يحدد الصواب من الخطأ؛ فيُعيد صياغة المفاهيم وتقديمها إلى الجمهور بحرفية لا مثيل لها. ولقد شاهد الجميع مدى التأثير الذي حدث خلال الحرب الأخيرة في طرابلس (أبريل 2019) التي اشتعلت في الإعلام وعلى صفحات التواصل الاجتماعي قبل أن تتحوّل إلى الأرض، فأصبح كل طرف يحاول التحشيد ما أمكن لدعم خططه وآرائه دون أدنى اعتبار للكلفة الحقيقية التي يكابدها الوطن والمواطن، ولا مراعاةٍ للحد الأدنى من القيم الأخلاقية وتحرّي الصدق فيما يُنشر. وممّا يدعو للأسى انزلاق كثيرين من المحسوبين على النخب في حوار الطرشان ذاك، فيُنزع المنطق من كل شيء في سبيل المصلحة الشخصية والفئوية الضيّقة، مهما تم إخفاء ذلك وراء مطالب شعبيّة.

تحوّلت القنوات والصفحات من مِنصّات إعلامية إلى دكاكين سياسية تبيع الوهم لمن يدفع أكثر

 مهنية الإعلام

ليس المطلوب من الإعلام أن يكون مثاليّا في سياسته، بالقدر الذي يجب عليه أن يكون موضوعيّا في رسالته.

تكثر الدعوات أخيراً إلى ما يصحّ تسميته “أنسنة الخبر” أي تناول الخبر بمهنيّة بحتة، فموت إنسان لن يغيّر من أمره شيئا إذا رُفع بمنزلة العليّين، أو أُنزل أرض السوء ونعته بأبشع الصفات؛ فالفقد واحد في الحالتين، ولن يشعر به إلا أهله وخاصّته. كذلك موجات التحريض المستمرّة على المدن والمناطق أو القبائل داخل البلاد مما يساهم بشكل كبير إلى تعميق الشرخ الاجتماعي وإطالة أمد الأزمة وقطع كل جسور التواصل، وتوليد الكراهية ضد الآخرين بشكل يدعو للأسف. في الوقت الذي نأمل فيه تبنّي هذه المؤسّسات خطابا تصالحيّا يُصلح ما أفسدته السياسة، وذلك بإتاحة الوقت الكافي لبرامج وحوارات مُجتمعيّة ترفع من مستوى الإدراك لخطورة وويلات الحروب وأثرها على المدى القريب والبعيد على البلاد.

موجات التحريض المستمرّة على المدن والمناطق أو القبائل داخل البلاد تساهم بشكل كبير إلى تعميق الشرخ الاجتماعي وإطالة أمد الأزمة وقطع جسور التواصل، وتوليد الكراهية ضد الآخرين

من يدفع الفاتورة؟

أشار التقرير الأخير لمنظمة الصحة العالمية التابع للأمم المتحدة والمنشور عبر حسابها في موقع “تويتر” بتاريخ 22/04/2019 حول الأحداث الجارية بطرابلس، إلى سقوط 245 قتيلا بين أطراف الصراع ومدنيّين، وجرح 1228 بالإضافة إلى نزوح ما يزيد عن 18 ألف مواطن من مناطق الاشتباكات نتيجة الأعمال العدائية، وتضرّر الأملاك العامة والخاصة وكذلك المؤسسات التعليمية، وخلال الأسبوع الماضي سلّط التقرير الصادر من مفوضية الشؤون الإنسانية الضوء على 500 ألف طفل بحاجة إلى رعاية ومتابعة في طرابلس بأكملها.

بالنظر إلى هذه الأرقام والبيانات ومتابعة الأحداث التي يعيشها المواطنون خلال هذه الظروف، من هُجران منازلهم وربما لن يروها مرّة أخرى، وفقدان الأرواح نتيجة الحرب العمياء التي لا تُبقي ولا تذر. المواطن الذي لم يُشفَ بعد من آثار حرب إلاّ لتندلع أخرى، ولا يجد في الإعلام المحليّ غيرَ المُتاجرة بقضاياه ومآسيه، هو الحاضر على الألسنة في المزادات والغائب وقت الحصاد.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية