الصحافة الحرة هي العين المفتوحة لروح الشعب في كل مكان - Huna Libya
الصحافة في زمن الرصاصة article comment count is: 0

الصحافة الليبية “ضحيّة حرب” أيضا

الحديث المطوّل عن حرية الصحافة الليبية ليس مجرد رفاهية وترف، وليس حديثا عرضيّا؛ بل جوهريّ وجادّ عن عنصر أساسي، ضروريّ ومُلِحّ، في عملية البناء وليس –كما يصوّره البعض– مجرّد غاية ثانوية «تأتي لاحقاً»، ويتم تأجيلها في كلّ مرة بحجّة أنّ «الظروف غير مناسبة الآن»، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. فالصحافة الحرّة هي «العين المفتوحة لروح الشعب في كُلّ مكان» بحسب تعبير كارل ماركس عندما كان صحافيّاً في بداية حياته.

غير أنّ هذا المطلب الهامّ ليس مجرد شِعار نصيح وننادي به دون أن نعي مضمونه، ودون –وهذه النقطة هي الأكثر أهمية– أن نُحمّل الصحافيّين مسؤوليتهم والتزاماتهم تجاه المجتمع، وقبل ذلك تجاه مهنتهم، حتى لا يصح فيهم قول الشاعر الراحل عبدالوهاب البيّاتي عندما كتب:

«ضفادع تمسك في حافرها الاقلام

تكتب ما يقوله الطغاة والأقزام

الحاجب الأصم والبوّاق والطبّال

فرسان جيل العار

يلطخون راية الثوار بالدم والأوحال».

لقد تمكنت ليبيا (الصحافة الليبية) من أنّ تحقق قفزة نوعية في مؤشر منظمة «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة، باحتلال المركز الـ131 في ظرف عامين فقط من «انتفاضة فبراير» (حيث تعدّدت القنوات الليبية بشكل كبير «مثل الفطر» بحسب وصف تقرير مراسلون بلا حدود آنذاك) بعد أن كانت تتذيّل القائمة في المركز الـ160 في عهد «جمهرة الإعلام»، الذي سجل واحدة من أعنف الجرائم التي أرتكبت في حق الصحافيين الليبيين عندما قطعت أصابع ضيف الغزال الشهيبي ورميت جثته في القمامة سنة 2005. لكن سرعان ما تلاشى هذا التقدم، جرّاء الحروب التي اندلعت سنة 2014 وما تبعها من انقسام سياسي، حتى انتهى بها الحال من جديد في المؤخّرة عند المركز 162  (للعام الثاني على التوالي) من أصل 180 دولة شملها التصنيف.

لقد تغيرت قواعد اللعبة خلال آخر خمس سنوات. لم يعد القمع يأتي «من أعلى» كما هي العادة، بسبب وجود حكومتين مناوئتين لبعضهما البعض. أصبح الصحفيّ «حُرّ» في أن ينتقد السلطة التي لا تفرض نفوذها على الرقعة الجغرافيّة التي يقيم بها؛ لكنّه سيتعرّض فوراً إلى انتهاك «حريّته» المشروطة (بدءً من الاعتقال التعسُّفي إلى التعذيب وربما يصل الأمر إلى القتل) إذ ما حاول أن يكون «جريئاً» أو «شجاعاً» من خلال نقد السلطات القريبه منه، حتى وإن كان هذا النقد موضوعيّا، وعلى استحياء، وغايته «التقويم والإصلاح» ليس إلّا. ويمكن أن يأتي القمع «من أسفل»، عندما يؤجج طرفٌ ما مشاعر العامة تجاه وسيلة إعلامية معيّنة، كما حدث عندما هاجم الناس جريدة «أخبار أجدابيا» (في مارس 2013) بسبب نشر بعض أبيات الشاعر محمد الشلطامي! ولعلّ من المؤسف أن نقرأ أن ما يعرف بـ«تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) تسبب فقط بـ2.3% من الانتهاكات التي تعرض لها الإعلاميّون خلال العام الماضي، بحسب تقرير المركز الليبي لحرية الصحافة (LCFP) الذي صدر مطلع الشهر الماضي، فيما تكفلت بقية الأطراف ببقية النسبة.

صورة تظهر صحفيا يدير ظهره يرتدي واقيا للرصاص مكتوب عليه صحافة وفي يده كاميرا

انعدام الحرية في الداخل، جعل معظم الإعلاميّين والقنوات الليبية تعمل (وتبث) من الخارج، الأمر الذي جعلها لقمة سائغة في فم الأموال الأجنبية، لتبقى ليبيا ساحة حرب بالوكالة للصراعات الإقليمية والدولية. وبدورها، محت الحربُ معظمَ البرامج الاجتماعية والثقافية والفنية من الخارطة البرامجية للقنوات الليبية لصالح «التغطيات» و«التحليلات العسكرية» إلى جوار أخبار «التقدمات الميدانيّة» و«تعداد الأسرى» وما إلى ذلك من «العواجل». وهكذا، تحوّلت الشاشات (وكل وسائل الإعلام) الليبية من أدوات يفترض أن تكون تنويرية وتثقيفية إلى مِعول هدم وتفتيت إجتماعي. فالحرب تقتات على تأجيج المشاعر المناطقيّة والجهويّة، ولا تعبأ بأدنى معايير «المصداقية» و«المهنية»، وتفرض خطاباً شعبوياً بعيدا كل البعد عن المنطق وصوت العقل.

لقد منح التقدّم التكنولوجي (رغم بعض انتهاكات الخصوصيّة) حريّة أكبر للصحافة، وسهولة في الوصول إلى المواد الصحافية، بالإضافة إلى حيل كثيرة في وجه القمع الإلكتروني (على سبيل المثال لا الحصر: تحجب السلطات المصرية ما يزيد عن 500 موقع إلكتروني). كما سهّلت التكنولوجيا عملية جمع المعلومات وإعداد ما يُعرف بتقارير الـ«OutSide»، إلّا أن المراسلين على الأرض لا يزالون يدفعون ثمن اقترابهم من قلب الحدث، إذ لا غنى عن وظيفتهم مهما تطوّرت الوسائل الإعلاميّة، خصوصاً أنّ مسارح الأحداث الليبية ملأى بالرصاص والمخاطر. وإذا ما تحرّينا الواقعيّة قليلاً، سنجد أنّ مدراء القنوات يساهمون بشكل غير مباشر في رمي المراسلين إلى حتفهم، عندما ينتهجون خطاباً مشحوناً ومستفزاً، على لسانهم أو على لسان قناتهم، تجاه الطرف الآخر.

إن الإيمان بحريّة الصحافة ينبغي أن يكون إيماناً صادقاً نابعاً من أهميّتها الجوهريّة، وليس مجرّد رياء سياسي. كما ينبغي أن لا تتحوّل إلى مُتاجرة سياسيّة يصبغ فيها ألقاب وصفات كبيرة على الصحافيّين.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (0)

  1. الصحفي في ليبيا لا يختلف كثيراً عن حاله عن جاره الصحفي في مصر مثلاً، إلاا أن المخاطر في ليبيا تأتي من جُل الأطراف، ولا بد مع الكفاح أن تشرق شمس حريّة الصحافة والرأي لا محال.