التمثيل هواية أم مهنة - Huna Libya
الدراما الليبيّة في رمضان article comment count is: 0

الدراما والمجتمع، من يُحاكم من؟

بعد مرور قرابة النّصف من شهر رمضان، وعرض أكثر حلقات هذا المسلسل أو ذاك البرنامج، تعلو الأصوات والأقاويل التي تمدح أو تهاجم صُنّاع العمل، وتأخذ صدى واسعا من جهور عريض؛ خاصّة الأصوات المعترضة. يظهر ذلك من خلال المنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أنها ليست معيارا ثابتا يُعتدّ به؛ لكن يمكن اعتبارها عيّنة عشوائية وصورة مصغّرة للمجتمع، الذي يتّهم أفراده هذه الأعمال بأنّها تشوّههم وتروّج لصورة خاطئة وتضرب بعض الأخلاقيات العامة. من هذه النقطة يتبادر إلى الذّهن سؤال عن: ماهية العمل الدرامي؟

الدراما وأهميتها

الدراما: هي حكايةٌ لجانب من الحياة الإنسانية، يعرضها ممثلون يقلّدون الأشخاص الأصليين في لباسهم وأقوالهم وأفعالهمالمعجم الوسيط.

الدراما بانوراما الحياة وانعكاس لواقع مليء بالأحداث يمكن اقتباسها من خلال تسليط الضوء على مشكلة ما، في زمن ومكان محدديْن، وتقديمها بأسلوب فنّي من خلال تدفق سيل من الصور التي تخلق حالة شعورية بداخلنا.

تجد الكثير من الأعمال تطرح قضايا مجتمعية تهم كل فرد داخل الأسرة، وتضع يدها على الجرح وتحاول تقديم الحلول المتاحة لها، ويمكن مناقشة هذه الأعمال من المسلسلات والأفلام والتفاعل معها وفق آليات نقديّة واضحة، تناقش السيناريو والحوار، الرؤية الإخراجية للعمل، وأداء الممثلين، وما إلى ذلك. فمشاهد العنف مثلا واقعٌ مُعاش لكنه إذا خرج بمعالجة غير دقيقة يمكن حينها اتهام هذا العمل بالترويج للعنف والكراهية.

يقع الخطأ عندما يُعتبر رأي الجمهور أعلى من القيمة الفنيّة ذاتها.

مع مرور السنوات وتطوّر الأحداث أصبحت الدراما في العالم صناعة قائمة تخضع لشروط العرض والطلب، ويحرص صُنّاعها إلى جانب تقديمها الشروط الفنيّة ولو الحد الأدنى؛ تضمينها عوامل جذب الجمهور، الذي سيمكنهم من الاستمرار، وهنا يقع الخطأ، حينما يُعتبر رأي الجمهور أعلى من القيمة الفنيّة ذاتها.

الدراما الرمضانية في ليبيا

يمكن للمُتتبّع للدراما في المنطقة العربية ملاحظة ضعف الإنتاج الدرامي في ليبيا، وهذا الأمر لا يمكن ردّه إلى ظروف البلاد في السنوات الأخيرة، فالحروب في سوريا على سبيل المثال لم يمنعها من تقديم عدد من الأعمال الدرامية الضخمة سنوياً، وإظهار وجوه جديدة سواء على صعيد التمثيل أو الإخراج أو الكتابة. ورغم ذلك يمكن حصر أربعة أو خمسة أعمال خلال ثمان سنوات أخيرة، قدّمت محتوى فنّيّا محترفا، يمكن اعتباره أرشيفا بصريّا مناسبا لهوية الدراما في ليبيا. لكنّ الدراما الرمضانية تقتصر على تقديم أعمال خفيفة تتماشى مع المائدة، ولا تزيد مدّة الحلقة الواحدة عن عشرة دقائق في أغلب الأحيان.

شاب يشاهد الدراما

أحد نقاط ضعف الدراما في ليبيا، بقاء العملية برمتها عند منطقة الهواية، بحيث أن الشخص الهاوي للتمثيل يتّجه إلى من يدعمه في عمل محدود الإمكانيات، أو أنه يفرض نفسه من خلال بعض العلاقات داخل هذا الوسط النخبوي. وهنا لا نقلّل من شأن خامّة جيدة من الممثلين والفنيّين الليبيين الذين قدّموا على مدار أعوام طويلة ومضات من أعمال درامية ستبقى في الذاكرة. يوجد الكثير من هؤلاء الفنانين ممن درسوا أصول المهنة وتشرّبوها باحترافيّة، سواء داخل البلاد من خلال المسرح القومي ومعاهد وكليات الفنون، أو خارجاً في بعثات دراسية، واستمرّوا في تثقيف أنفسهم. منهم من نجح جماهيريّا وقدّم مستوى فنيّا معتبرا، ومنهم رغم ضعف الموهبة لاقت أعماله استحسان الكثيرين، وآخرون لظروف أخرى توقفوا في الظل وإن كان يملك أحدهم خامة جيدة، فاضطرّ في نهاية الأمر إلى احتراف مهنة أخرى تمكّنه من مجاراة الزمن وظروف الحياة.

أحد نقاط ضعف الدراما في ليبيا، بقاء العملية برمتها عند منطقة الهواية دون دراسة أصولها المهنيّة

ماذا يحتاج الفن في ليبيا؟

نحن هنا أمام صناعة معروفة في العالم، ولها تجارب حيّة، ونشهد هذه الأعوام تقديم عدد كبير من الأعمال الأولى لأصحابها من الشباب ممن يملكون الشغف سواء على صعيد التمثيل أو الإخراج. أبسط ما تقدّمه الدولة كأحد الفاعلين هو الاهتمام بالمعاهد الفنيّة ومعاهد السينما والمسرح، والتي بدورها تشكّل نقابات للمهن التمثيليّة والفنيّة. فبسهولة يمكن ملاحظة الغياب التام لدور السينما، والمسرح الذي لا يزال يمنح محاولات هنا وهناك لا تؤثر بشكل كبير في الصورة العامة للوضع.

أبسط ما تقدّمه الدولة كأحد الفاعلين هو الاهتمام بالمعاهد الفنيّة ومعاهد السينما والمسرح

وأخيرا فإن وجود الدراسات النقدية والنّقاد يساهم بشكل كبير في تطوير التجارب، ذلك النقد الموضوعي الناتج من صلب العمل الفنّي، لا النقد غير المتزن المشحون بعواطف بعض العادات والتقاليد غير الثابتة، التي ترى ببساطة أن مناقشة مشاكلنا على الملأ فعل مشين وغير أخلاقي.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية